حاوره في باماكو: أحمد الأمين

قال محمد صالح النظيف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في مالي إنه رغم توقيع السلام بين الحكومة المالية والحركات المسلحة المناوئة لها، فإن مالي لا تزال تواجه تحديات أمنية تتمثل في النزاعات العرقية وسط البلاد، وأنشطة التنظيمات التي تصنف في خانة الإرهاب، فضلا عن مشاركة ماليين من الجنوب في عمليات إرهابية في بلدان أخرى.

وأشار النظيف في حوار مع الجزيرة نت إلى أن القوات الأممية تواجه وضعا معقدا يتمثل في وجود ما سماه تنظيمات إرهابية تحارب الجميع، وتزرع الرعب في نفوس السكان، وهي غير محددة الهوية ولا المكان، مما يجعل منها خصما غير تقليدي.

وإلى نص الحوار:
 ما أبرز المهام المنوطة ببعثة الأمم المتحدة في مالي؟ وماذا تحقق منها؟
نحن بعثة من أجل السلام والاستقرار في مالي، وحين تم تشكيلها في 2013 كانت مالي تعيش وضعا أشبه بالاحتلال من قبل تنظيمات مسلحة تصنف على أنها إرهابية، وحينذاك كانت أولويتنا هي مساعدة مالي على تجاوز تداعيات هذه الأحداث وإجراء انتخابات عامة ورئاسية، وذلك ما تم في 2013.

وبعد ذلك كانت أولويتنا هي مساعدة الماليين في تحقيق الاستقرار والسلام، وقد عملنا على ذلك، فجاء اتفاق السلام بين الحكومة المالية والحركات (الأزوادية) المسلحة في الشمال، الذي وقع في 2015.

وفي ضوء ذلك، أصبح الهدف الأساسي للبعثة هو المحافظة على السلام، وحماية السكان المدنيين، وتوفير الأمن لهم وضمان سلامتهم وحرية تنقلهم وممارسة أنشطتهم وأعمالهم دون مشاكل.

ورغم أن "مينيسما" (قوات حفظ السلام في مالي) تقوم بذلك بجدارة، فإنها تواجه صعوبات كبيرة، تفرضها تعقيدات الحالة في شمال مالي وعدم نمطية الخصوم.

 ماذا تعنون بعدم نمطية الخصوم؟
إن المهمة التقليدية لأي قوة حفظ سلام هي الفصل بين أطراف متنازعة محددة ومعروفة، ومعلومة المكان، وهذا يختلف تماما عن الوضع في مالي، لأن بعض أطراف النزاع غير محددة.

صحيح أن هناك حركات معروفة كانت تقاتل الحكومة المركزية وقعت اتفاق السلام، لكن هناك تنظيمات مصنفة في خانة الجماعات الإرهابية تحارب كل الأطراف، بما في ذلك قوات "مينيسما"، وذلك يعني وجود طرف ثالث غير محدد الهوية ولا الهدف ولا المكان، لا تعرف من أين يأتي ولا لأي بلد ينتسب، وهذا ما يعقد مهمتنا ويزيد صعوبتها.

وهذا الطرف الذي يظهر كل يوم باسم مختلف هو عدو غير تقليدي بالنسبة لعمليات حفظ السلام، وإضافة إلى ما سببته عملياته من ضحايا، فقد خلقت صعوبات أمنية كبيرة، وربما أثرت سلبا في قناعات بعض المواطنين الماليين في جدوى اتفاق السلام وإمكانية نجاحه.

 مرّ عام على توقيع اتفاق سلام بين الحركات المسلحة الأزوادية والحكومة المالية، ماذا تحقق على الأرض في ظل هذا الاتفاق؟
لقد تحقق الكثير على صعيد السلام بفضل هذا الاتفاق؛ فعلى المستوى الميداني لم تحدث أي معارك بين الحركات والجيش النظامي منذ التوقيع، وهذا يعدّ إنجازا حقيقيا، ومؤشرا على تمسك الأطراف به.

وبعد أن كان الكره متبادلا بين الحكومة والحركات، وكان مجرد اجتماعهما في مكان واحد أمرا مستحيلا، وبعد أن كانت الحركات ذاتها تتقاتل، أصبح الجميع يتحدث عن دولة واحدة، وباتت الحركات تتكلم في أغلب الأحيان بلغة واحدة ورؤية مشتركة.

صحيح أننا نواجه صعوبات تعرقل مسارنا نحو تحقيق السلام النهائي، نعمل على التغلب عليها، وصحيح أننا نود أن تكون الخطوات أسرع، لكن حين نقارن الوضع اليوم بما كان عليه في 2012 ندرك حجم الإنجاز.

إن هذا الاتفاق يشكل إرادة إقليمية ودولية، فقد تم برعاية الأمم المتحدة والدول الكبرى وبلدان الجوار والمنظمات الإقليمية، مما يعطيه قوة وحصانة، ويفرض على أطراف الصراع التعاطي معه بجدية.

 السكان يرون أن الاتفاق لم ينعكس على واقع حياتهم ولم يحسن ظروف عيشهم، وأنتم قلتم قبل قليل إنه حقق الكثير لصالح الجميع؟
إن تحقيق التنمية يتطلب توفر ظروف ملائمة لوضع وتنفيذ المشاريع الاقتصادية التي تسهم في تحسين ظروف الحياة ورفع المستوى المعيشي للسكان، وذلك يحتاج وقتا كافيا لينعكس على الواقع المعيشي لهؤلاء.

ومع أني أشرتُ من قبل إلى أننا كنا نتمنى أن تكون خطوات التنفيذ أسرع، فإن السنة التي مرت على توقيع الاتفاق لم تذهب سدى، فقد عملت الحكومة على إقناع الجنوبيين بأهمية الاتفاق وتحقيق السلام، ووضعت تشريعات وتغييرات إدارية تهيئ الأرض لتولي الشماليين تسيير شؤونهم المحلية، وهو مطلب جوهري لسكان الإقليم والحركات، ظل سببا في فشل الاتفاقات السابقة.

وأعتقد أن كل تلك إنجازات حقيقية وخطوات ضرورية لتحقيق السلام وتحسين ظروف حياة الناس.

 كيف تقيمون الوضع الأمني في مالي؟
الوضع الأمني في مالي الآن يواجه تحديين كبيرين: أحدهما التنظيمات التي تصنف في خانة الإرهاب، والتي تدمر كل شيء، وتزرع الخوف في نفوس الناس من خلال التفجيرات والهجمات التي تنفذها.

والثاني وجود صراعات قبلية كثيرة في الوسط؛ ففي "موبتي" و"سيغو" مثلا توجد مشاكل بين "الفولان" و"البمبارا"، وهي مشاكل لا بد من مواجهتها بسرعة لئلا تتفاقم وتتعقد وتنتقل إلى الجنوب أيضا.

وبالإضافة إلى هذين التحديين هنالك مؤشر خطير وهو مشاركة ماليين من الوسط والجنوب في عمليات إرهابية في دول أخرى كما حدث في واغادوغو وساحل العاج.

وأخشى أننا إذا لم نسرع في تنفيذ اتفاق السلام والمصالحة سيسبقنا الإرهابيون لتجنيد مزيد من الشباب لزعزعة الأمن والاستقرار، ويتعقد الوضع أكثر.

 ما تأثير الوضع في ليبيا على عملية السلام بمالي؟
ما شهدته مالي في 2012 كان نتيجة تدهور الوضع في ليبيا، وانطلاقا من ذلك فعلينا أن نكون حذرين، فليبيا اليوم بلد تنتشر فيه أنواع الأسلحة، وتوجد فيه كل المنظمات المتطرفة.

وهنالك توجه غربي لمواجهة هذا الوضع، نظرا لثروات ليبيا البترولية وقربها من أوروبا، وإذا ما حوصرت هذه التنظيمات الإرهابية أو تعرضت للضغط العسكري فإنها ستتوجه إلى مالي، نظرا لإغلاق منافذ الدول الأخرى المجاورة مثل مصر والجزائر وتشاد وتونس والنيجر.

لذلك نحن في الأمم المتحدة ننبه دائما إلى هذا الواقع، وما قد ينجر عنه من انعكاسات سلبية على الأوضاع في مالي.

 تعرضت قوات حفظ السلام بمالي لهجمات عديدة من تنظيمات مسلحة تصفونها بالمتطرفة، بم تفسرون استهدافكم وأنتم قوة لحفظ السلام؟
نحن فعلا قوة لحفظ السلام، وكما قلتُ آنفا نحن هنا لمساعدة الماليين في تحقيق الأمن والاستقرار، وحماية المدنيين من أي هجمات أو مخاطر قد يتعرضون لها، ولأن ذلك يتناقض مع الأيديولوجية المتطرفة لهؤلاء الذين لا يهتمون بالشعب ولا بالاستقرار فقد صنفونا أعداء.

وبحكم الدور الذي نقوم به والمساندة الدولية التي نحظى بها، فإننا لا نستغرب أن يستهدفنا هؤلاء، لكننا لا بد أن نستمر في أداء هذه المهمة لأن الأمم المتحدة أنشئت لحفظ السلام.

 من المهام التي أسندت لكم مساعدة الحكومة المالية في حماية التراث الثقافي، ماذا تحقق في هذا المجال؟
ما حدث في تيمبوكتو هو بصراحة أمر مؤسف حقا، فما قام به المتطرفون أمر خطير، شوّه صورة الإسلام، وقام المجتمع الدولي بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسكو من أجل حماية وصيانة الكنوز الثقافية والتراثية للمدينة.

وحاليا يمكن القول إن كثيرا من الأمور عادت إلى وضعها، وهذا ما لمسته من زياراتي للمدينة، وأتمنى ألا تحصل جريمة أخرى أو اعتداء على التراث والثقافة في تيمبوكتو.

المصدر : الجزيرة