عبّر مراقبون عن قناعتهم بأن النظام العسكري في مصر استخدم القضاء لإضفاء الشرعية على ممارساته في تصفية خصومه السياسيين تماما مثلما استغله لإطلاق الشرارة الأولى للانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي، محذرين من مغبة سحق الشباب المعارضين.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

يشعر عبد الرحمن الجندي الطالب بكلية الهندسة والمحكوم بـ15 عاما بتهمة التظاهر في مصر، بأنه لا يعدو أن يكون حشرة في بلاده.
 
وقال في رسالة واصفا حاله في المعتقل "أسحقْت صرصورا من قبل؟ أتذكر الشعور وهو يُسحق تحت أقدامك؟ أتذكر تلك الحركة الأخيرة بعدما تدعسه، ثم تضغط بقدمك محركا إياها يمينا ويسارا مُنهيا كل أمل وفرصة له في الحياة؟ فعلت ذلك كثيرا في حياتي، وأحفظ الشعور تماما.. لكني الآن ولأول مرة لا أكون من يدعس.. أنا الصرصور". 
 
وفي رسالته الأخيرة التي كتبها داخل محبسه وسلمها لأسرته خلال زيارته قبل أسبوعين، وصف الجندي حياته داخل المعتقل بالقيء الذي يعانيه على غرار آلاف الشباب المعتقلين داخل السجون المصرية.

ويقول الجندي "لم أتخيَّل أن أمضي ليلا طويلا أبكي وأرتجف.. أن أجلس أياما وحيدا لا أنطق أبدا.. أن أنكسر وأُذَل وأشعر بالقهر".

واتفقت منظمة هيومن رايتس ووتش مع الطالب المعتقل في توصيف "السحق" للتعبير عما يجري لشباب مصر، حيث ذكرت في تقرير لها صدر قبل يومين أن الشباب المصريين باتوا "يسحقون" بحجة الأمن القومي، متهمة القضاء المصري بأنه جزء من حملة قمع المعارضة.

واستشهدت المنظمة في رصدها بآخر حكم صدر بحق شباب بتهمة التظاهر يومي 15 و25 أبريل/نيسان الماضي، فصدرت أحكام بحق 152 شابا بالسجن مددا تتراوح بين سنتين وخمس سنوات.

وقال نديم حوري نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة "تستخدم السلطات المصرية حجج تهديد الأمن القومي لسحق معارضة الشباب المصري، هذه السياسة تقوّض الأمن ولا تحققه"، مضيفا "أصبح رجال القضاء المصري جزءا لا يتجزأ من حملة قمع الحكومة للمعارضة".

23 ألف شاب معتقل خلال عام 2015 فقط حسب التنسيقية المصرية للحقوق والحريات (الجزيرة)

تخويف الشباب
وأكد مدير التنسيقية المصرية للحريات عزت غنيم أن السلطات المصرية اعتقلت 23 ألف شاب في عام 2015 فقط وفق رصد التنسيقية، مشيرا إلى أن نحو 90% من المعتقلين تحت سن الثلاثين.

وأضاف غنيم للجزيرة نت أن السلطات المصرية نفذت حكم الإعدام على سبعة شباب خلال العامين الماضيين في قضايا لا تستند لأي أدلة توجب الحكم وتنفيذه سوى أن المتهمين معارضون للنظام، موضحا أن كل الأحكام مبعثها تخويف القوى الشبابية لا أكثر.

من جهته قال عضو المكتب التنفيذي لحركة قضاة من أجل مصر المستشار عماد أبو هاشم إن النظام العسكري استخدم القضاء فى معاركه السياسية ستارا يتخفى وراءه لإطلاق الشرارة الأولى للانقلاب على الرئيس الشرعي المنتخب الدكتور محمد مرسي، مستغلا ما يتمتع به القضاة من حصانة وما تتمتع به أحكامهم من إلزام.

وأشار في حديث للجزيرة نت إلى أنه في مرحلة ما بعد الانقلاب استخدم النظام القضاء أداة قمع تتستر وراء القانون لإسباغ شرعية على ممارساته في تصفية خصوماته السياسية.

وقال المستشار أبو هاشم إن النظام العسكري تمكن عبر عقود من تدجين القضاة من خلال قصر التعيين في السلك القضائي على أبناء النخب من ضباط الجيش والشرطة والوزراء والمحافظين وأعضاء البرلمان.

الهتيمي: الشباب قد يلجؤون لطرق غير قانونية للتعبير عن آرائهم (الجزيرة)

وأوضح أن القضاة يربطون بين سقوط نظام العسكر وإطاحتهم من مناصبهم، وتابع أن "النظام يستخدم سياسة العصا والجزرة مع القضاة، فأغدق عليهم المزايا المالية وأطاح في الوقت ذاته بكل من خالفه منهم، كما استغل وقائع فساد متورط بها قضاة القضاة لتجنيدهم مقابل التستر عليها".

ممنوعات
ويدرك الفاعلون السياسيون أن مسألة الأمن القومي شعار فضفاض تستخدمه السلطة منذ عقود سيفا مسلطا على رقاب المعارضة، وفق رؤية المحلل السياسي أسامة الهتيمي.

ورغم الاعتياد التاريخي على تخويف المعارضة بحدود الأمن القومي، فإن الهتيمي رأى أن السلطة الحالية وسعت دائرة الممنوعات لا لتشمل الناشطين فحسب، بل البرلمان نفسه.

واعتبر في حديثه للجزيرة نت حرمان الشباب من التعبير عن مواقفهم بشكل علني تهديدا للأمن القومي، معللا قوله بأن غياب فرص التعبير يدفع البعض للتعاطي مع الوضع بأشكال أخرى أغلبها بعيد عن الشرعية القانونية.

وأوضح المحلل السياسي حرص مؤسسات المجتمع المدني على تفعيل دور مؤسسة القضاء للحد من تغوّل السلطة التنفيذية التي يبدو أنها مصرة على إساءة استخدام القانون، حسب تعبيره.

وأضاف أن هذا الدور القضائي المأمول ينطلق من أخذه في الحسبان الاعتبارات السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد لتعلو روح القانون.

المصدر : الجزيرة