تتصادف ذكرى مرور تسعين عاما على انتخاب شارل دباس أول رئيس للبنان عام 1926 إبان الانتداب الفرنسي، مع مرور عامين على استمرار الشغور في منصب رئاسة الجمهورية بعد فشل القوى السياسية في الاتفاق على شخصية تتولى هذا المنصب.

وسيم الزهيري-بيروت

لم تفلح كل المساعي الداخلية والخارجية في إخراج مسألة الرئاسة اللبنانية من دائرة التجاذب الإقليمي، إذ أطفأ الفراغ في سدة الرئاسة عامه الثاني، وفشلت كل جلسات الانتخاب نتيجة تطيير النصاب القانوني ليبقى بالتالي المنصب المسيحي الأوحد في المنطقة شاغرا.

ومنذ انتخاب شارل دباس عام 1926 في عهد الانتداب الفرنسي أول رئيس للبنان وحتى أيامنا هذه، يعتقد الكثير من اللبنانيين أن انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية يرتبط دوما بقرار خارجي، حيث شكل الموقع محور الحياة السياسية منذ استقلال لبنان عام 1943 ولعقود مرت.

ويتفرد النظام السياسي اللبناني بصيغة مركبة، فهو نظام جمهوري ديمقراطي من حيث الشكل، لكنه بالمقابل نظام توافقي بين الطوائف تتوزع فيه المناصب الأساسية بمقتضى العرف الدستوري.

وينال المسيحيون الموارنة رئاسة الجمهورية، ويحصل المسلمون الشيعة على رئاسة البرلمان، والمسلمون السنة على رئاسة الوزراء، وينتخب النواب رئيس الجمهورية لولاية رئاسية واحدة مدتها ست سنوات.

رمز للاستقلال
ويعد رئيس الجمهورية بحسب الدستور رمزا لاستقلال البلاد ووحدتها، غير أن صلاحياته اختلفت بعد التعديلات الدستورية عام 1990، التي أقرت تنفيذا لاتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية.

ورأى كثيرون في تلك التعديلات تحديدا لصلاحيات الرئيس خاصة أنها أناطت السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء، بعد أن كان يتولاها رئيس الجمهورية بمعاونة الوزراء، كما أصبح الرئيس يتولى المفاوضات في عقد المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة بعد أن كان يتولاها منفردا.

وكان لرئيس الجمهورية حق تعيين الوزراء وإقالتهم وتسمية رئيس للحكومة، لكنه صار الآن يسمي رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس البرلمان واستنادا إلى استشارات نيابية ملزمة.

ويقول الخبير في القانون الدستوري شفيق المصري إن تعديل صلاحيات الرئيس بعد اتفاق الطائف جعل الدستور أكثر انسجاما مع النظام البرلماني المعتمد في لبنان.

وأضاف المصري للجزيرة نت أن دور رئيس الجمهورية من الناحية الدستورية يكتسب مكانة هامة جدا في إطلاق مهام السلطات الدستورية الأخرى، وفي كونه رمزا لوحدة لبنان والناطق الرسمي باسم الجمهورية.

جلسة برلمانية لانتخاب رئيس للبنان (الجزيرة)

سجالات حزبية
وعن استمرار الشغور في منصب رئاسة الجمهورية، قال المصري إنه يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الخلافات بين الوزراء وتصاعد السجالات بين القوى السياسية والحزبية على كل المستويات.

وتواصل القوى السياسية والمرجعيات الدينية لا سيما المسيحية مطالبتها بضرورة انتخاب رئيس للجمهورية فورا، ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة إن الشغور في موقع الرئاسة قد ينعكس بشكل أو بآخر على دور المسيحيين في التوازنات الطائفية ويقلص من تأثيرهم.

لكنه أضاف للجزيرة نت أن مؤسسات الدولة المختلفة تعمل ولو بشكل غير مكتمل، مشيرا إلى أن للرئيس دورا رسيما غير محوري في الحياة السياسية، وأن "بعض الرؤساء لم يلعبوا دور الحكم بل كانوا أطرافا في الصراعات كالرئيس إميل لحود".

وقال سلامة إن اسم عدد من الرؤساء ارتبط بمحطات مهمة، إذ اقترن اسم بشارة الخوري مثلا باستقلال لبنان عام 1943، كما اقترن اسم الرئيس فؤاد شهاب بالإصلاح وإنشاء المؤسسات الرقابية.

وتميز عهد الرئيس الهراوي بإعادة بناء مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة بعد الحرب الأهلية، بينما تميّز عهد الرئيس ميشال سليمان بصدور إعلان بعبدا الذي يطالب باعتماد سياسة النأي بالنفس عن الأحداث الإقليمية.

المصدر : الجزيرة