التحسن الكبير في واقع الإعلام التونسي تحيط به مخاوف كبيرة؛ نظرا لأن مراكز النفوذ المالي في عهد بن علي استجمعت قواها، وبات بإمكانها الهيمنة على الصحافة وبناء دكتاتورية ناعمة من دون ممارسة القمع.

محسن المزليني-تونس

شهدت تونس خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت الثورة تحسنا في سجل حريّة التعبير، إذ تطور الحقل الإعلامي بشكل ملحوظ من حيث الكم والنوع.

غير أنّ ذلك لا يخفي هشاشة القطاع والتحديات الجديدة التي باتت تواجهه، إذ يمكن أن تكون أشد خطرا من القمع السابق، وفق مراقبين.

وكانت منظمة مراسلون بلا حدود وضعت تونس مؤخرا في صدارة البلدان العربية في مجال حرية الصحافة لعام 2016، وذلك بعد أن استبعدت كلا من موريتانيا وجزر القمر من القائمة العربية وصنفتهما ضمن الدول الأفريقية.

وأشارت المنظمة إلى تقدّم تونس بثلاثين رتبة عن تصنيف السنة الماضية لتحتل بذلك المرتبة الـ96.

وفي مؤتمر صحفي عقدته بالعاصمة التونسية، أكدت مسؤولة مكتب شمال أفريقيا في منظمة مراسلون بلا حدود ياسمين كاشا تراجع عدد المتابعات القضائية والاعتداءات الأمنية ضد الصحفيين التونسيين.

ورأت كاشا أن المناخ التونسي مناسب لتعزيز حرية الصحافة، معبرة عن أملها أن تشجع هذه المرتبة التي احتلتها البلاد السلطات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني على مواصلة الجهود من أجل إصلاح قطاع الإعلام.

بوكدوس: الإحصاءات تبيّن تناقصا مهما في الاعتداءات الجسيمة على الصحفيين (الجزيرة)

تقدم ملموس
من جانبه، أكد المدير التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين الفاهم بوكدوس هذا التقدم الملموس الذي تشهده تونس في سجل حرية الإعلام والصحافة.

وأوضح بوكدوس أن الإحصاءات تبيّن تناقصا مهما في الاعتداءات الجسيمة على الصحفيين، وذلك بسبب تناقص منسوب الاحتقان السياسي والاجتماعي.

وأشار في السياق ذاته إلى أهمية تصديق البرلمان خلال الفترة الماضية على قانون النفاذ إلى المعلومة، وهي خطوة مهمة في اتجاه دعم مكاسب حرية الإعلام وفتح المجال لمشاركة الناس في ملاحقة ظواهر الرشوة والفساد، وفق تقديره.

غير أن بوكدوس يرى أن هذا المنحى الإيجابي لا يحجب مخاطر الانتكاسة، مشددا على أن مناخ الحرب على الإرهاب يشكل تحديا حقيقيا يمكن أن تتسرب منه إرادة إحكام السيطرة على الإعلام ومحاولات العودة به إلى مربع القمع والاستبداد.

ولا يخفي الكاتب الصحفي نصر الدين بن حديد تشاؤمه من وضع الإعلام في تونس، وذلك عائد إلى أن "لوبيات" الفساد كانت في تجارب مماثلة أشدّ خطورة على الصحافة من القمع الأمني الممنهج، على حد قوله.

مراسلون بلا حدود وضعت تونس في صدارة الدول العربية في مجال حرية الصحافة (الجزيرة)

استعادة الهيمنة
وفي تصريح للجزيرة نت، أوضح نصر الدين أن عدم تفكيك البنية الإعلامية للنظام القديم جعلها تستجمع قواها اعتمادا على مراكز نفوذ مالي وسياسي، وتستعيد الهيمنة على أهم مفاصل القطاع، نظرا إلى تفوقها مهنيا وماليا على التجارب البديلة الفتية.

وشدّد نصر الدين على أنّ القطاع الإعلامي باتت تهدده أيضا "اللوبيات" المالية والسياسية المرتبطة بأجندات إقليمية ودولية، وهو ما سيزيد الصحافة هشاشة وتبعية لمن يدفع أكثر.

وفي السياق ذاته، أكد الفاهم بوكدّوس جديّة هذه المخاوف، مشيرا إلى أن تجارب دولية على غرار ما حصل في بولونيا أثبتت أن دولة الاستبداد يمكن أن تعود من خلال سيطرة المال على الإعلام والتحكم فيه لتعوّض القمع بدكتاتورية مالية ناعمة.

ورأى بوكدّوس أن السبيل لمواجهة هذه الهيمنة الناعمة يكمن في زيادة الدعم الحكومي للمؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة وحماية الصحفيين.

وتأتي هذه المخاوف بعد مرور خمس سنوات على الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي كانت تعدّه المنظمات الدولية أحد أشرس أعداء حرية التعبير.

وخلال حقبة بن علي -التي امتدت 24 عاما- لم تغادر تونس المراتب الأخيرة في التصنيفات الدولية لحرية الصحافة.

المصدر : الجزيرة