صفوان جولاق–كييف

قسمات وتعابير وجهه تحكي هموما كبيرة وكثيرة حملها في حياته، وتقدم عمره -الذي ناهز 67- لم يمنعه من قطع مئات الكيلومترات لإحياء ذكرى هي الأكثر ألما بالنسبة لتتار القرم، وهي التهجير القسري الذي تعرض له التتار عام 1944 من قبل نظام حكم الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين آنذاك.

حاملا العلم التتري، وهاتفا "الأمة (القرم) أوكرانيا"، مشى إسماعيل بخطوات مثقلة في ميدان الاستقلال (وسط العاصمة الأوكرانية كييف)، الذي شهد الأربعاء مظاهرة أحيا فيها المئات من التتار والأوكرانيين الذكرى 72 للتهجير القسري.

تنهد إسماعيل كغيره من التتار الذي يتحدثون عن التهجير، وقال للجزيرة نت ذكرى التهجير محفورة في داخل كل تتري، مضيفا أنه لا يزال يذكر كيف كان حديث الكبار عن رحلة التهجير وعربات الحيوانات التي كُدس الناس فيها، ومعاملة الجنود الوحشية، خاصة عندما كانوا يلقون جثث من يموت من عربات القطار أثناء الرحلة.

العملية أدت إلى تشريد آلاف الأسر، وقتل وفقدان آلاف آخرين، لكن كثيرا من التتار حرصوا على الوحدة في دول المهجر، وعلى زرع حب القرم في أبنائهم، وأضاف إسماعيل أن العودة للقرم كانت حلما بالنسبة له لينهي مأساة الغربة.

من جهته، قال رستم للجزيرة نت وهو فنان تشكيلي تتري إن السوفيات أرادوا أن يقضوا على التتر، فركزوا في المهجر على محاربة الثقافة التترية، لكن التتر تمكنوا من الحفاظ على وجودهم وتمسكوا بهويتهم وأرضهم ودينهم.

مسؤولون ورموز اجتماعية ودينية أثناء عزف النشيدين الوطنيين الأوكراني والتتري خلال إحياء ذكرى تهجير تتار القرم (الجزيرة نت)

ألم الاحتلال
وأحيا التتر ذكرى تهجيرهم للعام الثاني بألم الاحتلال -كما يصفه التتار- بعد أن انتزعت روسيا القرم من أوكرانيا وضمتها قبل عامين.

وشمل مهرجان إحياء التهجير القسري صور تتار مختطفين ومعتقلين، كما حضرت شعارات تؤكد أوكرانية القرم ورفض الاحتلال الروسي، كما ألقى العديد من الشخصيات القرمية خطابات تؤكد ذلك.

ولا يستطيع التتر إحياء هذه الذكرى الأليمة في بلدهم، حيث يخشون ملاحقة السلطات الروسية المسيطرة على القرم.

وكانت السلطات في القرم منعت التتار من إحياء ذكرى التهجير للعام الثاني على التوالي، ومن المشاركة بأي تجمع أو نشاط يدل عليها.

ونفذت السلطات حملات دهم لعدة مساجد وبيوت هناك خلال شهري أبريل/نيسان الماضي ومايو/أيار الجاري، واعتقلت العشرات منهم بحجج تتعلق بالإرهاب والانتماء لتيارات متطرفة.

كما حظرت السلطات في القرم نشاط "مجلس شعب تتار القرم"، وصادرت مبناه الرئيسي، بحجة أنه "غير مرخص"، ويعمل ضدها، في إجراء وصفه قادة المجلس بأنه يهدف إلى بث الرعب والخوف بين التتار، وإلى ملاحقتهم "كخونة"، كما فعل السوفيات.

صور لتتار اعتقلوا واختطفوا في القرم من قبل السلطات الروسية مؤخرا (الجزيرة نت)

جمهورية التتار
والملفت في مظاهرة الأربعاء أن التتار والأوكرانيين حملوا بشدة على الخطباء من المسؤولين المكلفين بملف القرم، وهتفوا ضدهم بعبارات "العار العار"، لكنهم انقسموا إزاء إعلان توجه أوكراني جديد، يهدف إلى منح القرم صفه "جمهورية شعب تتار القرم"، بدلا من صفة "جمهورية القرم".

وكلتا "الجمهوريتين" ستكونان تابعتين لأوكرانيا في إطار نظام فيدرالي، لكن انقسام التتار والأوكرانيين جاء إزاء التوقيت والهدف من هذا التوجه.

الشاب إلفير قال إن ذلك سيحشد الدعم الدولي لقيام جمهورية تتار القرم التابعة لأوكرانيا، وسيشجع التتار أنفسهم على العمل في سبيل إقامة دولتهم على أرضهم بعد تحريرها من روسيا.

وسألنا الشابة الأوكرانية مارينا عن رأيها فقالت "أمر جيد، لكنني أشعر بأن أوكرانيا تريد منه رفع يدها عن قضية القرم شيئا فشيئا، وتركه للمجتمع الدولي وللتتار العاجزين عن فعل أي شيء عمليا"، على حد قولها.

المصدر : الجزيرة