بعد تنامي السجال حول الرق في موريتانيا واتهام المعارضة للرئيس محمد ولد عبد العزيز بالإساءة إلى شريحة الحراطين في آخر خطاب له، أصدر القضاء الموريتاني حكمين لصالح أبناء هذه الشريحة ونشطائها مما يعد توجها واضحا لنزع فتيل الاحتقان.

 أحمد الأمين-نواكشوط

نقضت المحكمة العليا بموريتانيا الثلاثاء حكما بسجن رئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا) بيرام ولد اعبيد ونائبه إبراهيم ولد بلال، كما قضت محكمة النعمة الجنائية الخاصة بجرائم الاسترقاق بسجن شخصين خمس سنوات وتغريم كل منهما مليون أوقية (حوالي ثلاثة آلاف دولار) بتهمة الاستعباد.

وجاء الحكمان القضائيان وسط جدل واسع حول العبودية على خلفية تصريحات للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، اعتبرها ناشطون وأطراف في المعارضة استهدافا لشريحة الحراطين (الأرقاء السابقين)، وهو ما اعتبرته الحكومة والموالاة وحقوقيون آخرون تحريفا للكلم عن مواضعه، واستغلالا غير نزيه من المعارضة لتلك التصريحات.

وكان لافتا للنظر تزامن نقض الحكم على بيرام وإطلاق سراحه مع حكم محكمة النعمة في أول ملف تنظر فيه بعد تشكيلها، مما أثار أكثر من سؤال عن احتمال أن يكون ذلك ردا عمليا من الحكومة على الاتهام باستهداف شريحة الحراطين، وتهدئة لخواطر ناشطيها.

ولم تعلق الحكومة على القرارين، لكن الأمين التنفيذي المكلف بحقوق الإنسان والحريات في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم يرب ولد السغير اعتبر أن "الحكم الذي أصدرته محكمة النعمة يبرهن على استقلال القضاء، ويعكس أهمية المحاكم المختصة في جرائم الرق".

وأضاف للجزرة نت أن "صدور هذا الحكم من محكمة النعمة بعد أيام من خطاب رئيس الجمهورية في المدينة يؤكد حرصه على القضاء على مخلفات الرق وإنصاف كل المظلومين، وينفي بشكل قاطع تحريف المعارضة لمضامين الخطاب خاصة في هذا المجال".

ولد هنضية: إطلاق بيرام يعني أن الحكومة تريد تفادي الضغوط السياسية (الجزيرة)

استقلال القضاء
وبخصوص قرار المحكمة العليا بشأن بيرام أوضح أن "هذه ليست سابقة في هذا المجال فمن قبلُ أُطلِق زميلهما السعد ولد لوليد، وقرار المحكمة اليوم بنقض حكم محكمة استئناف "آلاك" دليل قاطع على استقلال القضاء".

لكن القيادي في ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين محمد فال ولد هنضية، لا يرى ارتباطا بين الحكمين، ولا يعتبرهما تطورا في تعاطي السلطات الموريتانية مع ملف الاسترقاق.

ففيما يتعلق بحكم محكمة النعمة يقول ولد هنضية في حديث للجزيرة نت إن "الأمر يتعلق بقضية استعباد لا لبس فيها، ضبط ممارسوها بالجرم المشهود ولم يكن باستطاعة المحكمة تجاهل كل تلك الوقائع ومن ثم جاء حكمها على هذا النحو".

أما إطلاق سراح رئيس حركة "إيرا" ونائبه فيرى ولد هنضية أن "الحكومة أرادت الخروج من ورطة وضعت نفسها فيها، حيث تأكدت أن سجنهما يضر بها أكثر مما يخدمها، فقد زاد من شعبيتهما، وضاعف الضغط الدولي عليها، ورفع مستوى المطالبة بإنصاف شريحة الحراطين".   

ومن جانبه يرى الناشط الحقوقي علي ولد رافع أن حكم محكمة النعمة يحمل "تأكيدا من السلطات الموريتانية على أنه لا تساهل مع ممارسي الرق".

ولد رافع: إطلاق بيرام قد يكون رسالة طمأنة لشريحة الحراطين (الجزيرة)

امتصاص الامتعاض
ويقول ولد رافع في حديث للجزيرة نت إن "صدور الحكم من مدينة النعمة بالذات يوحي بأن الرئيس الموريتاني أراد عمليا نفي الاتهام الموجه إليه بالإساءة إلى شريحة الحراطين في خطابه قبل أيام في المدينة، وامتصاص امتعاض من تأثروا بهذا الخطاب من هذه الشريحة".

وبخصوص إطلاق سراح قادة "إيرا" اعتبر ولد رافع أنه قد يكون "رسالة طمأنة لشريحة الحراطين وتهدئة لخواطرها، وتهيئة مناخ قد يرفع الحرج عن بعض أطرها ونخبتها الراغبة في الدخول في حوار مع السلطة".

ومع ذلك، يضيف ولد رافع القيادي السابق في حركة إيرا أن الخطوة ربما تدخل فيما سماه "لعبة مع النظام ظل بيرام يمارسها منذ وقت، تضمن له الظهور مدافعا عن الحراطين، والحصول على مكاسب مختلفة من السلطات التي تستفيد منه وقت الحاجة".

ويشير ولد رافع إلى وقائع يرى أنها تدخل في هذا السياق مثل "عملية حرق الكتب" التي أقدم عليها بيرام عام 2012  وحولت الأنظار عن مطالب المعارضة، وفق تقديره.

المصدر : الجزيرة