لم تبدأ محاكمة مبارك إلا بعد شهور من خلعه من السلطة، ولم يتم الحكم عليه بالسجن إلا بعد نحو عام ونصف العام، بينما أصبح مرسي رهن الاعتقال حتى قبل إعلان السيسي قرار الانقلاب عليه وعزله من السلطة.

أنس زكي

يروق لبعض المصريين ترديد أن بلادهم شهدت ثورتين متتاليتين بعد طول سُبات، وأن اثنين من رؤسائها انتقلا عنوة من مقعد السلطة إلى ما وراء القضبان؛ وهو أمر غير دقيق في افتراضه الأول، وغير صحيح في الافتراض الثاني.

ففي الافتراض الأول، رأى العالم مئات الآلاف من شباب مصر معتصمين في ميدان التحرير ابتداء من 25 يناير/كانون الثاني 2011 مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ثم يصعّدون مطالبهم إلى رحيل حسني مبارك عن السلطة التي قضى فيها ثلاثة عقود، وهو ما رضخ له مبارك بعد 18 يوما من التظاهر والاعتصام.

لكن العالم رأى أيضا مشهد الثالث من يوليو/تموز 2013، عندما خرج وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي محاطا بشخصيات سياسية ودينية ليعلن عزل رئيسه المنتخب محمد مرسي، بدعوى الاستجابة لتظاهرات خرجت قبل ذلك بثلاثة أيام، وكانت تطالب في الأساس بانتخابات رئاسية مبكرة، ولم يطل بقاؤها في الميادين إلا ساعات قليلة.

أما في الافتراض الثاني، وهو مربط الفرس الآن؛ فالحقيقة أكثر صدمة ومفارقة من مجرد اختلاف في المعاملة بين اثنين من الرؤساء تم الحكم عليهما بالسجن، مهما كان السبب، لأن الأمر ببساطة أن مبارك لم يدخل زنزانة السجن من الأساس.

فمنذ بدء التحقيق معه قضائيا بتهمة قتل المتظاهرين في ثورة يناير، بل وحتى عندما تم الحكم عليه بالسجن المؤبد في الثاني من يونيو/حزيران 2012، لم يتم تأكيد رسميا ولا إعلاميا أن مبارك أصبح نزيلا لأي زنزانة في أي سجن بمصر، وإنما كان نزيلا (محبوسا) في غرف فائقة التجهيز بأفخم المستشفيات العسكرية في مصر، بداية من المركز الطبي العالمي ونهاية بمستشفى المعادي العسكري.

مبارك في قفص المحاكمة ممدد على سرير في أحسن حال (الجزيرة)

الحجة كانت موجودة منذ البداية، وهي أن حالته الصحية لا تسمح، وحتى عندما قرر النائب العام طلعت عبد الله في أبريل/نيسان 2013 (خلال عهد مرسي) نقله إلى مستشفى سجن طرة هاجت الدنيا، ولم يتم نقل الرجل لفترة لم تطل إلا بعد إنفاق ملايين الجنيهات على تحسين أحوال المستشفى وتخصيص غرفة خاصة له به.

ليس هذا فقط، بل حتى مشهد الحضور أمام المحكمة كان مختلفا بالنسبة لمبارك، فالرئيس المخلوع يأتي ممددا على سريره ومحاطا بولديه علاء وجمال، ومرتديا نظارته الشمسية ولا يرد على المحكمة إلا بكلمات مقتضبة، وهي لم تجرؤ يوما على الجدية معه، فضلا عن الحزم.

حال مبارك مع السجن المفترض كانت مغرية لكثير من وسائل الإعلام العالمية، كان آخرها نيويورك تايمز الأميركية التي قالت الثلاثاء إن مبارك يعيش حياة ناعمة في محبسه بمستشفى المعادي العسكري، وإن "الترف الوحيد الذي لا ينعم به هو ببساطه حقه في مغادرة المستشفى".

في المقابل، كان الأمر على النقيض بالنسبة لمرسي؛ فالرجل كان يمارس مهامه في السلطة -التي قضى فيها عاما واحدا- عندما قرر وزير دفاعه الإطاحة به، وأغلب الظن أن مرسي تعرض للاعتقال قبل أن يخرج السيسي معلنا عزل الرئيس وتعطيل الدستور.

سجانو مرسي لم يكتفوا بقضبان الحديد بل وضعوه في قفص زجاجي يمنع صوته عن الشعب (الأوروبية)

اختفى مرسي عن الأنظار، ولم يعلم أحد مكانه فترة طويلة (تسرّب لاحقا أنه كان محتجزا في قاعدة عسكرية بحرية بالإسكندرية)، حتى تمت إحالته في مطلع سبتمبر/أيلول 2013 إلى محكمة الجنايات بتهمة التحريض على القتل، قبل أن تتوالى التهم الموجهة له بعد ذلك بشكل مثير، لتشمل اقتحام السجون والتخابر مع حماس وغيرها.

وعلى عكس مبارك، فإن مرسي يقضي فترة سجنه في زنزانة حقيقية بسجن برج العرب القريب من الإسكندرية، وحاله هي نفسها حال كثير من المسؤولين في عهده، رغم معاناة بعضهم من أمراض خطيرة، ووصل الأمر ببعضهم إلى الوفاة بسبب الحرمان من الحق في العلاج، مثل البرلماني السابق د. فريد إسماعيل.

ولعل الأغرب في هذا الصدد كان عند ظهور مرسي أمام المحكمة، حيث تم وضعه داخل قفص زجاجي، في سابقة ربما لم تحدث من قبل، وبدا حرص السلطة واضحا على ألا يصل صوت الرجل أبدا إلى شعبه، لتظل ملابسات عزله من جانب وزير دفاعه غامضة إلى حين.

وبينما يتحدث البعض عن ثورتين وآخرون عن ثورة ثم انقلاب، قبل أن تظهر فئة ثالثة تتحدث عن "مؤامرة ثم ثورة"، فإن الإعلام يردد دائما شعارات عن نزاهة القضاء المصري وشموخه، وهو ما يثير التساؤل حول حالة رئيسين محبوسين، أو هكذا يفترض؛ فالأول يتبختر في غرفة فخمة بمستشفى عسكري، بينما يقبع الثاني في زنزانة محصنة، والأول يتمدد على سريره في حضرة المحكمة، بينما يتم وضع الثاني في قفص زجاجي لحبس صوته أيضا.

المصدر : الجزيرة