بات مؤكداً موت السياسة بمصر، ولم يبق نشطاً غير النقابات المهنية، فانتفض الصحفيون، وسبقهم الأطباء، ضد انتهاكات طالت أعضاءهما، وثارت هواجس مدعومة بشواهد تدل على سعي الدولة لإلحاق النقابات بالحظيرة الرسمية.

عبدالله حامد-القاهرة

حينما انتفض أعضاء نقابة الأطباء ضد واقعة سحل أمناء الشرطة أطباء في مستشفى المطرية، ثم انتفض الصحفيون ضد اقتحام الشرطة نقابتهم للقبض على صحفيين مطلوبين، كان ملفتاً إجهاض أعضاء مجلسي النقابتين للهتافات السياسية التي تعالت من حناجر الأعضاء، باعتبار أنهم إزاء قضايا نقابية فقط.

لكن ذلك الحذر، وتجنب إثارة السلطة، لم يمنعا النظام من تدبير "خطة محكمة" للسيطرة على النقابات، وفق ما تسرب من ملامحها، مدعومة بقرائن وشواهد، تدل على جدية سلطة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في هذا المسعى.

الخطة -التي تسربت لعدد من وسائل الإعلام- تقضي بالتخلص من قيادات النقابات الحاليين رغم كونهم من شركاء الثلاثين من يونيو/حزيران 2013، واستبدالهم بتابعين "أكثر إخلاصا" للسلطة، لا يسايرون "غضبة" الأعضاء طمعا في نيل أصواتهم في انتخابات مقبلة، كما يحدث اليوم، ولكن يعملون على استباق التحركات بالإجهاض بتوجيهات من الأجهزة الأمنية.

كتاب مبارك
وكانت لذلك تجربة أواخر عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك، عندما تحولت النقابتان الجارتان (الصحفيين والمحامين) إلى مركز لأغلب الاحتجاجات السياسية وسط القاهرة، فسعى النظام للسيطرة عليهما، عبر دعم عضو بالحزب الوطني الحاكم آنذاك هو حمدي خليفة للفوز بمنصب نقيب المحامين، ودعم الصحفي المقرب من النظام مكرم محمد أحمد ليصبح نقيبا للصحفيين.

وفي نقابة الاجتماعيين، نجح نظام مبارك في شق صف أعضائها لتنشب بينهم خلافات وصلت إلى القضاء، في حين كانت غضبة السلطة أكبر تجاه نقابة المهندسين، حيث تم فرض الحراسة عليها.

البداية مبكراً
ويرى نقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي أن "خطة السلطة للسيطرة على النقابات بدأت بالفعل عقب انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، بالترتيب لإقصاء الإسلاميين عن مجالس النقابات التي كانوا يشكلون أغلبيتها، مثل الأطباء والمعلمين، والإتيان بمجالس تتشكل في أغلبها من شركاء تظاهرات الثلاثين من يونيو/حزيران التي مهدت للانقلاب".

لكنه يضيف أن "الشقاق حدث بين الشركاء حينما اضطرت تلك المجالس إلى مجاراة غضبة أعضائها الذين انتفضوا لاعتداءات طالت الكرامة"، ولذلك "هدأت عاصفة الأطباء بعد أن تجاهلتها السلطة، حتى لم يعد أحد يهتم".

نقابيون من مختلف النقابات يتضامنون مع الصحفيين ضد انتهاكات وزارة الداخلية بمصر (الجزيرة)

ويرى الولي أن "هتافات النشطاء السياسية المطالبة بإسقاط حكم العسكر منتصف أبريل/نيسان الماضي أمام نقابة الصحفيين أزعجت السلطة"، ومع توافق الصحفيين على مطالب قوية، عقب اقتحام نقابتهم، استشعرت السلطة الخطر، فسعت لشق الجموع وزرع الخلاف، وبالفعل نجحت".

ومع ذلك، فإن نقيب الصحفيين الأسبق يقلل من شأن السعي للسيطرة على النقابات، "فالظرف اختلف عما كان عليه أيام مبارك، ولو سيطرت السلطة على مجالس الإدارة فإن المشكلة ستظل في الجمعيات العمومية التي تتشكل في معظمها من الشباب، ومعظمهم متوقدون بروح ثورة يناير، وهم في نقابة الصحفيين -تحديدا- خارج السيطرة؛ لأنهم ينتمون لمؤسسات خاصة، مما يمنحهم حرية حركة أكبر".

نقابات نشطة
ومن جانبه، يستبعد عضو نقابة التجاريين والناشط السياسي مجدي حمدان وجود عمل نقابي أصلا في مصر إلا في ثلاث نقابات، هي الصحفيين والمحامين والأطباء، لسبب جوهري كون الثلاث مكونات أساسية في الحراك الثوري.

أما عن باقي النقابات فهي لا تخرج -كما يقول- عن كونها "هياكل ومباني خالية من الروح الثورية، حيث تم تطويعها من أيام مبارك وظلت كما هي".

ويعتقد حمدان أن "خطة النظام المصري لاحتواء النقابات المزعجة ستتم عن طريق محورين: "زرع أفراد مقربين من السلطة داخل مجالس تلك النقابات، وتسليط الأذرع الإعلامية لمحاولة التهوين من شأن المجالس وتخوين أعضائها، وكأن نظام السيسي ينقل حرفيا من كتاب مبارك".

بدوره، يشير المحامي أسامة ناصر إلى أنه "بعد الثالث من يوليو/حزيران 2013، كان أغلب الإسلاميين بين قتيل ومطارد ومعتقل ومشغول عن العمل النقابي بسيل القضايا الجارف الملفق للإسلاميين، وكان ذلك جزءاً من خطة إقصائهم عن المشهد النقابي".

وتابع "أتى النظام بمجلس مرضي عنه، لكن الغليان داخل "المحامين" مستمر، حيث اعتقل منهم ما يقارب 350 محاميا، في ظل مواقف النقابة السلبية، فبدأ المحامون تشكيل عدة جبهات، بين دفاع عن المحامين ومطالبات بسحب الثقة"، كما يقول.

ويقول عضو نقابة الأطباء حاتم عبد المنعم إن "النقابة شهدت أكبر جمعية عمومية اعتراضاً على تعدي أمناء شرطة المطرية على زملائهم، ولمس الأطباء تهاوناً من مجلسهم، فبات الغليان بينهم وشيك الانفجار، ولو حاولت السلطة تطويع النقابة فستنفجر حتماً".

المصدر : الجزيرة