وديع عواودة-السجرة

حينما استقرت المركبة في الساحة المجاورة لعين الماء ببلدته الفلسطينية "السجرة"، سارع الكاتب خالد عيسى -وهو لاجئ فلسطيني في السويد- لتأمل تفاصيلها، كأنه طير قلق على غصن تغيرت ملامحه، فبعد عقود من الانتظار أتته فرصة زيارة قرية السجرة المدمرة بقضاء طبرية داخل أراضي 48.

وبفضل جوازات السفر السويدية تمكن عيسى من اصطحاب زوجته وابنتيه شيماء وميساء وأسرتيهما للوطن، وبعد جولة في ربوع بلدته استراحوا في ظل شجرة سدر وارفة قبالة العين التاريخية.

كان عيسى يحتاج لهذه الاستراحة بعد جولة بين الأشواك وكروم الزيتون واللوز والتين والصبار الشاهدة على هوية المكان، وبعد لقاء اختلط فيه الفرح والحزن جمعه للمرة الأولى بعمته أم خالد المقيمة في بلدة كفركنا المجاورة بعدما فرقت بينهما النكبة.

تولى ابنها خالد مهمة تقديم الشروح عن جغرافية وتاريخ السجرة التي ولد فيها الرسام الراحل ناجي العلي، واستشهد على ترابها الشاعر عبد الرحيم محمود دفاعا عنها عام 1948.

قرية السجرة وتبدو دور المستوطنين على أنقاضها (الجزيرة)

قصص العين
وانضم إلى الحديث أبو ناصر (77 عاما) الذي يقيم مهجرا في بلدة كفركنا، حيث دار الحوار بين الأجيال الثلاثة حول "قصص العين"، فقد اعتاد الأهالي انتشال المياه منها بدولاب خشبي بمساعدة كفيفين تم توكيلهما بهذه المهمة لأنهما لا يقويان على القيام بعمل آخر.

وكان عيسى عمل بالكتابة الصحفية، وهو من مواليد سوريا، ثم استقر ببيروت، وانتقل منها بعد الاجتياح لقبرص ثم السويد، ويصف مشاعره بزيارة موطنه بعد أن ناهز الستين بالقول إنه يزور أنقاضه ويقف على عظام جده، مضيفا "فلسطين بالنسبة لي ولكل المولودين خارجها رواية شفوية، واليوم تنبهت أنها غير مطابقة للواقع، بل لم أجدها، لأنها بلا منازل ودون أهلها وحكاياتهم".

واستغرق العائدون وقتا طويلا حتى عثروا عن مقبرة السجرة، فقرؤوا الفاتحة على أرواح أقربائهم، لكنهم صمموا على الاحتفاظ بالأمل وهم يتسابقون بحماس للمساهمة في غرس شجرة توت بأرض والد عيسى أملا في أن يستظل بفيئها السكان يوما.

وعبرت ابنته الوسطى ميساء (33 عاما) المولودة بالسويد عن شعور مشابه، وقالت إنها كانت متشوقة جدا لهذه الزيارة، حيث وجدت طبيعة خلابة حزينة يلفها الهجران والنسيان كالجسد بلا روح.

وأضافت "الزيارة الأولى للوطن شوشتني، فتارة أشعر بأني بنت البلد وتارة سائحة وغريبة، لكن انفعال والدي بها يربطني بالمكان".

بيد أن شقيقتها الكبرى شيماء (39 عاما) بدت أكثر انفعالا بالزيارة، وقالت إن كثرة الروايات التي سمعتها من والدتها وخالاتها في بيروت وحمص عن السجرة جعلتها أقرب لروحها.

العائلة يلتئم شملها بعد عقود تحت شجرة سدر في البلدة المدمرة (الجزيرة)

العلت والخبيزة
وولدت شيماء في بيروت، ودرست التاريخ والتراث في بريطانيا، وقالت للجزيرة نت إنها لم تشعر بالغربة في بلدة أجدادها، وأنها فرحت لدى سماع اللهجة الفلسطينية والتعرف على أشجار الخروب ونبات العلت والخبيزة التي تحتاج هي الأخرى لوطن كي تعيش، ففي السويد مكان إقامتها لا تنبت.

وخلال الحديث جرحت سارة، ابنة ميساء الصغيرة، إصبعها بأشواك الصبار الذي لا تعرفه في السويد، لكنها تناست أوجاعها باللهو وكتابة اسم السجرة بالحجارة الصغيرة والبحث عن بعضها للاحتفاظ بها للذكرى.

أما أختها ماريا (عشر سنوات) فتساءلت عن سبب مرارة مذاق اللوز الذي قطفت بعض ثماره، فأجابتها قريبتها الحاجة فريدة عايد بالقول إن "اللوز سيصبح حلوا بعد عودتكم للدار".

وتتحدث ماريا باللهجة الفلسطينية، وتقول إنها تتعلم اللغة العربية والقرآن الكريم، وتقول أمها إنها كانت تتمنى البقاء في فلسطين لكن أولادها اعتادوا الحياة في السويد.

المصدر : الجزيرة