يرى مراقبون أن إعادة تماثيل الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة للساحات العامة مبالغة تنمّ عن عجز في إنتاج زعامات جديدة تصنع مستقبل البلاد، في حين يقول آخرون إن "هذا أقل ما يمكن أن تقوم به تونس لتكريم زعيمها الراحل".

خميس بن بريك-تونس

بعد سنوات من إزالتها بقرار من الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، أعادت تونس نصب تماثيل الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة خلال احتفالها بالذكرى 16 لرحيله، وقد قام الرئيس الباجي قايد السبسي -الذي طالما عدد في خطاباته خصال الحبيب بورقيبة في بناء الدولة الحديثة- بإعادة نصب تماثيل بورقيبة بمسقط رأسه في مدينة المنستير (وسط البلاد).

ويقر مؤرخون بالدور الذي لعبه بورقيبة رفقة زعماء وطنيين آخرين في تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي وفي كتابة أول دستور للبلاد وصياغة مجلة الأحوال الشخصية التي كرست حقوق المرأة والاستثمار في التعليم والصحة، إلا أن إعادة تماثيل بورقية أثارت جدلا كبيرا في الأوساط السياسية.

ويرى مؤيدو القرار أن إعادة تماثيل بورقيبة ليست تكريما لبورقيبة وحسب، بل هي تخليد لمرحلة مقاومة الاستعمار الفرنسي واستقلال تونس في عقول الأجيال الشابة التي لم تعاصر تلك الفترة، في المقابل يرى المعارضون أن إعادة نصب تلك التماثيل تكرس لحكم الفرد وعودة الاستبداد وإهدار للمال العام في وقت تشهده فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة.

رد للجميل
النائب عن حركة نداء تونس عبد العزيز القطي رأى أن تكريم بورقيبة بإعادة تماثيله التي أزيلت في عدة مدن في عهد بن علي يعدّ ردا للجميل لبورقيبة الذي قاد الاستقلال وأرسى دعائم الدولة الحديثة.

وأضاف في حديث للجزيرة نت، أن من مسؤولية الرئيس التونسي أن يحافظ على الذاكرة الوطنية وإرث الدولة ويردّ الجميل للزعيم بورقيبة باعتباره أول رئيس للجمهورية التونسية وكان له دور كبير رفقة مناضلين آخرين في تحرير البلاد والمرأة وبناء مؤسسات الدولة وتركيز إداراتها.

وردا على انتقادات البعض للاهتمام المتزايد بإعادة تماثيل بورقيبة، قال القطي "ما عدا بعض القلوب المريضة التي تنكر الجميل فإن كل دولة تحترم نفسها عليها أن تكرّم زعماءها"، مشيدا بما حققه بورقيبة من إنجازات بفضل مراهنته على التعليم والصحة.

وشدد على أن حزبه نداء تونس الذي يقود الائتلاف الحكومي وتأسس على "الإرث البورقيبي"، يسعى لتطوير مكتسبات بورقيبة في المناخ السياسي الجديد للبلاد، معتبرا أن الشعب راغب في مواصلة درب الإنجازات التي حققها بورقيبة.

احتفال رسمي وشعبي بإعادة نصب تمثال الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (الجزيرة)

إلهاء للشعب
بيد أن النائب عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية عماد الدائمي قال إن "قرار إعادة تماثيل بورقيبة يدخل في سياسة إلهاء الشعب وتحويل أنظاره عن القضايا الحقيقية مثل التشغيل والتنمية ومحاربة الفساد في ظل منظومة حكم فاشلة".

وأضاف أن إعادة تماثيل بورقيبة ليست من الاستحقاقات التي ثار من أجلها الشعب التونسي، معتبرا أن هناك مبالغة في طرح هذا الموضوع من شخصيات سياسية قال إنها "تنكرت" لبورقيبة عندما وضع في الإقامة الجبرية في عهد الرئيس المخلوع بن علي.

من جهة أخرى اعتبر الباحث الاجتماعي نور الدين العلوي أن إعادة تماثيل بورقيبة تدل على "فقر فني وسياسي وفكري لمن يريدون إعادتها لأنهم رغم مرور الزمن والانتقادات الكثيرة الموجهة لبورقيبة لم يقبلوا بأن يكون محل انتقاد ومراجعة".

وأكد في حديث للجزيرة نت، أن بورقيبة رغم ما حققه من مكاسب ارتكب أخطاء كثيرة خاصة بعد إعلانه نفسه رئيسا للبلاد مدى الحياة، وهو ما أدى بعد استفحال شيخوخته ومرضه إلى بروز الدكتاتورية مع صعود نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عام 1987.

ووصف العلوي المدافعين عن إعادة النصب التذكارية لبورقيبة بأنهم أشخاص يعيشون في الماضي وغير قادرين على صناعة المستقبل، قائلا "التغيير بعد الثورة يتطلب رموزا جديدة باعتبار أن من يعودون إلى الوراء يقطعون دوما الطريق أمام المستقبل".

المصدر : الجزيرة