بعدما كانت حصنا منيعا ومعقلا للحفاظ على الثوابت الوطنية والهوية الدينية، باتت الزوايا في الجزائر مقصدا للسياسيين لنيل بركة شيوخها علّها تكون سببا للظفر بمنصب مرموق بالدولة، وتحولت هذه المؤسسة الدينية -حسب مراقبين- من تعليم القرآن إلى منح "صكوك الغفران".

ياسين بودهان-الجزائر

علاقة الزوايا بالسياسة في الجزائر قديمة تعود إلى أيام الاستعمار الفرنسي، حيث كان منتسبوها في طليعة المقاومين للمستعمر، وخير مثال على ذلك رمز المقاومة الشعبية الأمير عبد القادر أحد أبناء الزاوية القادرية، إحدى الطرق الصوفية المشهورة.

بيد أن المكانة والسلطة المعنوية اللتين كان يتمتع بهما شيوخ الزوايا باعتبارها مدارس تقليدية لتعليم القرآن الكريم وعلوم الشريعة، تراجعت بشكل كبير بعد الاستقلال، خاصة في فترة الرئيس هواري بومدين، وبشكل أقل في فترة الرئيس الشاذلي بن جديد.

ومع تولي عبد العزيز بوتفليقة للرئاسة عام 1999، أعطى للزوايا نفسا جديدا وجعلها تابعة لرئاسة الجمهورية لا لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

والمتتبع لنشاط الزوايا والخدمات الجليلة التي تقدمها للسلطة، يدرك أسباب رد الاعتبار إليها، فالرئيس بوتفليقة قبل وصوله إلى الحكم اعتكف لأيام في إحدى زوايا مدينة أدرار جنوبي الجزائر، وزار ضريح الشيخ المهدي بن يونس في مستغانم (غرب) قبل الانتخابات، وجمع شيوخ الزوايا وقدم لهم دعما معنويا، لكنه حظي بعد ذلك بدعم واسع من جانبها.

وتحصي الجزائر أكثر من 380 زاوية لها أربعة آلاف مدرسة قرآنية، يتبع مريدوها طرقا صوفية متعددة أشهرها القادرية والرحمانية والعلوية والبلقايدية والتيجانية المنتشرة في العديد من دول العالم، ويتبعها أكثر من 350 مليون شخص عبر العالم.

حمدادوش يعتبر هرولة السياسيين إلى الزوايا توظيفا سيئا للدين (الجزيرة)

وبسبب مكانتها وسلطتها المعنوية المستمدة من الدين ومن قرب مشايخها لبوتفليقة، باتت هذه الزوايا مقصدا للوزراء وللشخصيات السياسية للتقرب من مشايخها لتجديد الولاء للرئيس، كما يقصدها كل من حلت عليه لعنة النظام لفك هذه اللعنة.

تلميع الصورة
انغماس الزوايا في السياسة وتلميع صورة السياسيين ومنح "صكوك الغفران" لهم، أمر اعتبره البعض انحرافا خطيرا يشوه تاريخها.

وقد تجددت الانتقادات بحدة خلال نهاية الأسبوع الماضي بعد تكريم زاوية في مدينة الجلفة وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، الأمر الذي اعتبره البعض محاولة لتلميع صورة الوزير الذي ارتبط اسمه بقضايا فساد كبيرة ينفيها هو تماما، وتحضير الرأي العام لقبول تقلده منصبا رفيعا.

وتساءل المرشح الرئاسي الأسبق ورئيس حزب الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي معلقا على تكريم شكيب، خلال تجمع له في مدينة قسنطينة بقوله "هل الزوايا هي رئاسة الجمهورية؟ وهل هي المكلفة بالاستقبال وإصدار العفو لمن يريد؟".

وعلى الطريقة نفسها التي استعملتها فرنسا باحتلال العقول وتخدير الضمائر في توظيف بعض الزوايا لتبرير القابلية للاستعمار على أنه قدر محتوم، يعتبر القيادي في حركة مجتمع السلم والنائب البرلماني ناصر حمدادوش أن "النظام السياسي الجزائري الوريث الشرعي لذلك الاحتلال يمارس نفس الوظيفة الخبيثة في توظيف بعض المؤسسات الدينية لتبرير سياسته وتبرئة رجاله وتلميع صورتهم".

واعتبر حمدادوش في حديثه للجزيرة نت أن ما قامت به الزاوية "بغسل عظام شكيب" الذي تلطخت سمعته بملفات فساد، وهرولة الكثير من الشخصيات السياسية -ومنهم الوزراء- في طلب بركات شيوخ الزوايا للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، يعدّ "توظيفا سياسيا سيئا للدين لأغراض سياسوية وهم الذين يعيبون على غيرهم ذلك".

بن عطاء الله (يمين) وزير الشؤون الدينية الجزائري في صورة مع مجموعة من شيوخ زوايا مدينة الجلفة (الجزيرة)

لا عداء
الانتقادات الحادة للزوايا دفعت بوزير الداخلية نور الدين بدوي إلى الدفاع عنها خلال الملتقى الدولي حول المدرسة الصوفية الجزائرية المنعقد بولاية أدرار، حيث أكد أن الزوايا لعبت دورا كبيرا في حماية الجزائر من الأفكار الدخيلة وفي نشر قيم الإسلام الوسطي.

ويقول مصطفى بن عطاء الله القيادي السابق في جبهة التحرير الوطني (حزب الأغلبية) وأحد الحاضرين لجلسة تكريم شكيب خليل بزاوية "الشيخ محمد بن مرزوق" في الجلفة، وهو أحد منتسبيها، إن "الجميع يقصد الزوايا.. الظالم والمظلوم، البسيط والمسؤول، الرفيع والوضيع، وهي لا تعادي أحدا، ولا ينبغي أبدا منع مشايخها ومريديها من التواصل مع الجميع".

وردا على الانتقادات العاصفة التي أثارتها زيارة شكيب خليل للزاوية، قال بن عطاء الله للجزيرة نت إنها كانت حدثا لأنه شخصية غير عادية، رغم تشديده على أنه ليس في مقام تبرئة الرجل أو إدانته، لافتا إلى أنه لو زار متجرا في تمنراست في أقصى الجنوب لأثار ذلك جدلا، حسب تعبيره.

كما ردّ ساخرا على من يعتقد أن الزوايا باتت مفتاحا للوصول إلى الرئاسة والمناصب السامية، بقوله إن "الزوايا ليست رئاسة الجمهورية، وقد كرمت علماء ورجال إعلام وغيرهم، وإذا كانت بابا للرئاسة أو الوزارة فحري بكل الشعب أن يعتكف فيها وأنا أوّلهم".

المصدر : الجزيرة