تعددت قراءات محللين جزائريين لأبعاد الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السوري لبلادهم، ورأى بعضهم أن هدفها أن تكون الجزائر بوابة فك العزلة الدولية عن النظام السوري، بينما ينبه آخرون إلى أن سلطات الجزائر بدعمها الأسد تبعث برسالة للرأي العام المحلي.

عبد الحميد بن محمد-الجزائر

طرحت زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم قبل أيام لـ الجزائر أسئلة تتعلق بالهدف الحقيقي للزيارة، ومدى ارتباطها بالتحركات الدبلوماسية التي يبذلها نظام بشار الأسد للخروج من عزلته واستثمار ما حققه عسكريا في سوريا، وأيضا استفادة السلطات الجزائرية من الزيارة في توجيه رسالة للرأي العام المحلي.

لقد تميز الموقف الجزائري بشكل عام من ثورات الربيع العربي بالتوجس والريبة، وهي مواقف وإن لم تكن مرحبة بالتحولات فإنها لم تقف ضدها بشكل عملي، وبالموازاة مع ذلك عبرت الجزائر علانية عن مواقف واضحة في رفضها لمبدأ التدخل العسكري الأجنبي بكل الدول التي شهدت نزاعات مسلحة بدءا بـ ليبيا ومرورا بـ اليمن وسوريا، على اعتبار أنه مبدأ من عقيدة الجيش الجزائري.

وقد انعكست هذه الحالة بصيغ مختلفة على موقف الجزائر من التحولات السياسية والأمنية التي عرفتها دول ما يعرف بالربيع العربي، ومنها سوريا. وقد ساهمت زيارة المعلم في إعادة بعث النقاش حول حقيقة الموقف الجزائري رسميا وشعبيا مما يجري بسوريا منذ خمس سنوات.

انحياز مبدئي
يقول أستاذ السياسات الأمنية بجامعة البليدة سليم حمادي إن الموقف الرسمي الجزائري معروف منذ البداية بانحيازه للنظام السوري بمبرر عدم التدخل في شؤون الدول، كما يرى أن هذا الموقف تمليه أيضا قناعة رسمية بأن البلاد أيضا مستهدفة بعد سوريا بطريقة أو بأخرى.

حمادي: الجزائر الدولة الأكثر تحمسا لمشروع المصالحة بسوريا (الجزيرة)

ويعتقد الأستاذ الجامعي -في حديث للجزيرة نت- أن زيارة المعلم هدفها أن تكون الجزائر "البوابة التي ستعود منها سوريا دبلوماسيا قبل التوجه إلى دول عربية أخرى" مثلما تعكس رغبة الحكومة في إعادة دفء العلاقات الدبلوماسية بين تلك الدول ودمشق، على أساس أن الجزائر الدولة الأكثر تحمسا لمشروع المصالحة بسوريا.

ويعتقد الكاتب الصحفي عبد السلام بارودي أن الجزائر تنطلق من قناعتها بأن ما يسمى الربيع العربي "مؤامرة دولية تقودها قوى ضاغطة تستخدم عواصم عربية معروفة لدعم هذا الطرح الكارثي على العالم العربي".

ويضيف بارودي أن دمشق تسعى من خلال زيارة وزير خارجيتها للجزائر إلى "تحريك آلة وليد المعلم من أجل خلق جبهة عربية موالية لبقاء الأسد في السلطة، على خلفية الحراك الدبلوماسي الذي تقوده روسيا والولايات المتحدة بالتوازي مع مفاوضات جنيف".

ويؤكد بارودي أن "النصر العسكري لقوات الأسد" سيتحول إلى ورقة ضغط لفرض حلول سياسية وفق رؤية النظام، وقتها لن يكون بمقدور المعارضة التقدم سياسيا وعسكريا أكثر مما تقدمت حتى الآن، وهو ما يفسر تحركات المعلم على الجبهة العربية التي ظلت منسية منذ اندلاع الأزمة عام 2011.

استفادة الجزائر

ويشدد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر نور الدين بكيس على أن زيارة المعلم تأتي ضمن مساعي دمشق لحشد الدعم الدولي لفك الحصار والعزلة "تماشيا مع ما حققه النظام ميدانيا من نتائج بدعم من حلفائه الروس".

ويتوقع بكيس -في حديث مع الجزيرة نت- أن يتحول النظام إلى مركز لقطب كبير بالمنطقة، وفي هذا الصدد "فالجزائر مطالبة بالانفتاح أكثر على المحور السوري بكل ما يحمله من حلفاء".

لكنه يرى أن الجزائر تغامر بهذا الموقف طالما أنها سبق ورفضت الانضمام إلى لعبة المحاور لإسقاط نظام الأسد، كما يعتقد أن سلطات الجزائر نجحت في توظيف الحالة السورية داخليا كنموذج لثني فئات واسعة من الجزائريين المطالبين بالتغيير.

بكيس: السلطات الجزائرية نجحت في توظيف الحالة السورية داخليا (الجزيرة)

ويقول بكيس إن "دفاع الجزائر عن بقاء الأسد رغم الخراب والدمار يعد إثباتا للرأي العام الجزائري على عدم جدوى الخروج عن الأنظمة أو الثورة عليها، لأنها لم تأت بنتائج مرضية".

تشابه النظامين
وفي السياق نفسه، يفسر أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر إسماعيل معراف الموقف الرسمي مما يجري بسوريا بتشابه النظامين، ويشير -في حديث للجزيرة نت- إلى وجود تنسيق بين الجزائر وإيران وروسيا، وبدرجة أقل مع الولايات المتحدة، فيما تعلق بـ الأزمة السورية. ولا يستبعد أن تكون الجزائر إحدى الدول التي قد يلجأ إليها الأسد إذا فرض عليه التنحي.

وبخصوص تصريحات وزيري الخارجية السوري والجزائري حول استفادة دمشق من تجربة المصالح الجزائرية، يعتبر معراف أن الغرض منها "إغراء المعارضة السورية وإغاظة دول الخليج لاسيما السعودية" ويشير إلى حنق الحكومة على الرياض باعتبارها المتسبب الأول في انهيار أسعار النفط التي أضرت كثيرا بالاقتصاد الجزائري.

المصدر : الجزيرة