عبدالرحمن محمد-القاهرة

أثار تعاطي السلطات المصرية وإعلامها مع قضيتي مقتل مصري في بريطانيا ومصريين آخرين في ليبيا تساؤلات حول القيمة الحقيقية للدم المصري لدى النظام، وأسباب التباين الواسع تجاه القضيتين.

ففي الوقت الذي سارعت فيه الرئاسة ووزارة الخارجية والنيابة إلى إصدار بيانات تطالب السلطات البريطانية بالتحقيق العاجل في مقتل شاب مصري و"معرفة الجناة وتحقيق القصاص العادل"، بدا التعاطي مع مقتل نحو ثلاثين مصريا بليبيا فاترا، حيث اكتفت الخارجية بإعلان متابعتها تطورات الوضع.

وعزا مراقبون هذا التباين إلى أن الاهتمام بمقتل مصري في بريطانيا يأتي في إطار "المكايدة والمزايدة السياسية" في مقابل الضغط الغربي على مصر للكشف عن الجناة الحقيقيين في مقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، بينما لا يتوفر هذا الدافع في قضية قتلى ليبيا.

ويرى مراقبون أن موقف النظام السلبي تجاه دماء مصريين سالت سابقا دليل على ما ذهبوا إليه، حيث لم تجد التساؤلات عن الدوافع الحقيقية لمقتل خمسة مصريين على يد قوات أمن بعد التراجع عن اتهامهم بقتل ريجيني إجابة، كما لا تولي السلطات اهتماما باتهامات حقوقيين لها بقتل معارضين بطرق مختلفة. 

عزام: عدم احترام النظام الدم المصري تأسس منذ مجزرة رابعة (الجزيرة)

موقف ثابت
يرى البرلماني السابق وأحد قادة معارضي السلطة الحالية في الخارج حاتم عزام أنه "لا توجد ازدواجية لدى النظام بعد الانقلاب في التعامل مع دم المصري، بل هو موقف ثابت بعدم احترامه، تأسس منذ مجزرة رابعة وما بعدها، حيث قتل الآلاف بدم بارد وبمختلف الوسائل".

وأكد في حديثه للجزيرة نت أن تركيز النظام على قضية المصري المقتول في بريطانيا والآخر المختفي في إيطاليا يأتي في إطار "المكايدة السياسية وتخيلهم أنها ورقة ضغط أمام قضية مقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني رغم أن الأخير ثبت موته بالتعذيب ونقلت وسائل إعلام عن مصادر أمنية حدوث ذلك بمقر أمني".

وبرر عزام وجهة نظره بعدم اكتراث النظام بالقتلى المصريين في ليبيا، والمساعي الأخيرة لتبرئة قاتل الناشطة شيماء الصباغ بعد إدانته، وقتل خمسة مصريين بدم بارد بعد اتهامهم بقتل ريجيني، ثم التراجع عن ذلك لتهافت روايتهم، مشددا على أن "استهانة النظام بالدم لا تستثني أي فصيل في الشعب المصري".

ورأى أن "السبيل الوحيد لاحترام كرامة المصري هو أن تكون السيادة للشعب عبر سلطة مدنية ديمقراطية ليست عسكرية ولا بوليسية تعبر عن كل المصريين وتحترم حقوقهم وكرامتهم".

العزباوي: النظام يعلي من قيمة
الدم المصري مهما كان صاحبه (الجزيرة)

معاملة بالمثل
ويرى الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية يسري العزباوي أن موقف النظام يُعلي من قيمة الدم المصري أيا كان صاحبه.

ويرى في حديثه للجزيرة نت أن "اهتمام النظام بالمطالبة بالتحقيق في مقتل المواطن المصري ببريطانيا أمر طبيعي، فهي معاملة بالمثل في ظل تربص الدول الأوروبية والإعلام الغربي بمصر في قضية مقتل ريجيني ومحاولتهم لي ذراع الدولة المصرية".

إلا أنه أقرّ بوجود ازدواجية لدى الإعلام المصري في تناول قضايا مقتل مصريين بالخارج، حيث يرى أن "الإعلام سلط الضوء على حادثة قتيل بريطانيا بصورة أكبر من حادثة مقتل مصريين في ليبيا".

القصاص: تناقض كبير في التعامل
مع أمن المواطنين (الجزيرة)

فوضى وتناقض
بدوره، يرى محلل الشؤون الدولية والإستراتيجية أنس القصاص أن ما يحدث في مصر لا تنفصل كلياته عن جزئياته، حيث هناك "فوضى في حواس الدولة والمجتمع تعمقت حتى وصلت للوضع الحالي".

ويضيف في حديثه للجزيرة نت "هناك تناقض كبير حاصل في التعامل مع أمن الأفراد، والأحداث الأخيرة تنم بما لا يدع مجال للشك عن استخدام الدولة لقضية الأمن الفردي في تنفيذ أعمال هندسة سياسية في الداخل والخارج، في وقت باتت فيه أعمال الهندسة السياسية والاجتماعية غير مقبولة".

ويرى القصاص أن "الدولة كما هي مسؤولة عن أمن الأفراد قبل النظر للأمن الجماعي مسؤولة كذلك عن صياغة عقد جديد يُعدّ فيه أمن المواطن ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي، وأن مراعاة ذلك تقي من مغبة الدخول في أوحال جديدة قد تودي بالجميع وتكون العودة عنها شبه مستحيلة".

المصدر : الجزيرة