على الرغم من أن المعاناة في قطاع غزة تشمل كافة سكانه في ظل الحصار فإن بعضهم يشعرون بمرارة خاصة، وهم العائدون إلى القطاع من دول الثورات العربية، والذين لم يكونوا يتوقعون أن يجدوا هذا الخذلان والحرمان حسب وصف بعضهم.

محمد عمران-غزة

رغم نجاحه بمغادرة مدينة درعا السورية فرارا من الموت الذي يحصد أرواح الأبرياء فإن الخمسيني هشام الحوراني -الذي وصل إلى غزة قبل أربع سنوات- يواجه شكلا آخر من المعاناة في وطنه، لا يقل ألما عما تركه خلفه في سوريا، وإن اختلفت الأسباب.

فأبو محمد لا يمتلك منزلا يؤوي عائلته، ولا عملا يوفر له مصدر دخل يعينه على إعالة زوجته وأبنائه الستة، حيث اضطر لاستئجار شقق سكنية والخروج منها لعدم قدرته على دفع إيجارها حتى انتهى به الحال للسكن بثلاث غرف متنقلة (كرفانات) بمساحة 45 مترا مربعا، مقامة على أرض حكومية وسط قطاع غزة.

ويسرد اللاجئ الفلسطيني فصولا من المعاناة التي يتجرع مرارتها يوميا -كغيره من الفلسطينيين الذين اضطرتهم ظروف الثورات العربية بليبيا واليمن وسوريا للعودة إلى غزة- فالمشاكل تطال أبسط الاحتياجات الإنسانية من مسكن ومأكل ودواء.

شعب واحد
وبينما يبدي حزنه مما آلت إليه ظروفهم، "فالعيش بالكرفان لا يعني سوى الموت والإنسان على قيد الحياة، حيث الشتاء القارس والصيف القائظ"، يستهجن تركه وأمثاله من دون رعاية حقيقية توفر الدواء لأطفاله عندما يحتاجونه، أو تنقذهم من براثن العوز والفاقة التي لا تفارقهم.

هشام الحوراني (يمين) مع ولده وأحفاده (الجزيرة)

ويتساءل في حديثه للجزيرة نت غاضبا "ألسنا أبناء شعب واحد ولنا كامل الحقوق للعيش بكرامة كغيرنا؟ أليس لنا حق بالعمارات السكنية التي تبنيها الجهات الحكومية والأهلية؟ وهل عجزت الحكومة عن تشغيلنا؟".

وفي وقت يتحدث فيه الرجل عن الشعور بـ"مرارة الخذلان" بعد عودتهم إلى الوطن تاركين مشاريعهم وأموالهم خلفهم يشير إلى حلم ابنته بتول ذات الـ13 ربيعا ببيت صغير يريحها من عذابات السكن في "كرفان".

ويبلغ عدد العائدين لغزة من دول الثورات العربية نحو 2500 شخص موزعين على 450 عائلة، نصفها تقريبا هربت من سوريا ومعها بعض السوريين، إضافة إلى 202 عائلة من ليبيا ونحو 28 عائلة من اليمن، بحسب هيئة التنسيق للاجئين من الدول العربية بغزة.

ورغم الوعود الكثيرة التي سمعتها هذه العائلات منذ عام 2013 عن توفير بدل إيجار لها ووظائف ثابتة وبعض المساعدات التي تجعلهم متساوين مع بقية الفلسطينيين فإنهم لم يروا إلا القليل، مما زاد إحساسهم بالحرمان من حقوقهم الإنسانية.

صنوف من المعاناة
ويتسبب هذا الحرمان في مشاكل واسعة للعائدين بحسب رئيس هيئة التنسيق عاطف العماوي، من بينها حالات الطلاق المتكررة وترك مقاعد الدراسة، وعودة البعض للبلد الذي قدم منه رغم المخاطر، والهجرة عبر البحر بحثا عن حياة أفضل، إضافة إلى سلسلة طويلة من الصعوبات التي تواجههم بحياتهم اليومية على صعيد التعليم والصحة والتشغيل والسكن والسفر وغيرها.

الصعوبات المعيشية أمام العائدين تفاقمت بسبب الانقسام الفلسطيني (الجزيرة)

واتخذت حكومة الوفاق الفلسطينية في الخامس من أبريل/نيسان الجاري مجموعة قرارات لصالح هذه العائلات، من بينها توفير فرص عمل وبحث إمكانية توفير مساكن وتأمين صحي، ومساعدات من الشؤون الاجتماعية ومشاريع مدرة للدخل.

بيد أن العماوي يصف في حديثه للجزيرة نت هذه القرارات بالعامة والهلامية، لافتقارها إلى آلية محددة للتنفيذ، خصوصا أن حكومة الوفاق غير موجودة في غزة، وبالتالي قد لا تتحول هذه القرارات إلى أمر واقع كغيرها من الوعود التي أعلنت خلال سنوات سابقة تحت ضغط الوقفات والفعاليات الاحتجاجية، لكنها كانت بمثابة سراب.

ويقول إن هذه الإجراءات مهمة ويمكن لها المساهمة في التخفيف من مشكلات العائدين الكثيرة، مطالبا بسرعة تنفيذها بالوسائل الممكنة وتجنيب هذه الشريحة المتضررة ويلات أي خلاف سياسي بين غزة ورام الله.

لكن الواقع على الأرض يؤكد أن الانقسام الفلسطيني قد يحول دون تنفيذ هذه القرارات، الأمر الذي من شأنه مفاقمة أزمة هذه الشريحة، مما دفع وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية في غزة يوسف إبراهيم إلى المطالبة بالتعامل مع القرارات التي تخص العائدين مثلما يتم التنسيق بين وزارة الشؤون الاجتماعية في غزة والضفة لصرف مساعدات منتظمة لنحو 78 ألف أسرة.

ويبين إبراهيم للجزيرة نت أن برامج التشغيل وبدل الإيجار والمساعدات النقدية كانت جزءا من قرارات الحكومة بغزة قبل تشكيل حكومة الوفاق، لكن هذه البرامج توقفت بعد انتهاء الموازنات المخصصة لها.

المصدر : الجزيرة