يؤكد مختصون وخبراء روس أن سياسة روسيا تجاه الملف السوري تتسم بالازدواجية، فمن جهة تدعم موسكو الحلول السياسية، ومن جهة أخرى تواصل دعم النظام السوري عسكريا، لتحقق بذلك مكاسب متعددة ولتثبت أن حربها ليست على الأرض فقط.

افتكار مانع-موسكو

يتباين الموقف الروسي بشأن الأزمة السورية بين الإعلان عن الدعم للتسوية السلمية وبذل جهود دبلوماسية في هذا الاتجاه من جهة ومواصلة النشاط العسكري الداعم للنظام السوري.

ويدلل الموقف الروسي على وجود خطة ميدانية محددة تتعدى مكافحة الإرهاب، ما يظهر تناقضا واضحا بين الأقوال والأفعال.

هذا الاعتقاد أكدته المستشرقة الروسية يلينا سوبونينا في مقالة نشرتها وكالة نوفستي (سبوتنيك) الروسية، عبرت فيه عن استغرابها من اعتبار أن الهدنة سارية المفعول، في حين أن المعارك لم تتوقف والنظام يسطر الانتصارات تلو الأخرى.

وقالت إن الانتخابات البرلمانية في سوريا تزيد من حيرة المراقبين كونها تجري تزامنا مع التحضيرات لاستئناف مفاوضات جنيف، التي تهدف لإقرار عملية إصلاح دستوري، من أبرز معالمها إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، إلا إذا كان الرئيس السوري بشار الأسد يهدف من ورائها للظهور في موقف أقوى وهو يفاوض في جنيف.

ولفتت إلى تغيّر الموقف على الجبهات لصالح قوات الأسد بفضل الدعم الروسي.

ازدواجية المواقف
وتضيف سوبونينا في مقالتها أنه إذا نجحت مفاوضات جنيف فستكون انتخاباتٌ في يونيو/حزيران 2017 حسب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 على أن تُشكَّل قبل ذلك بعام حكومة وحدة وطنية، ولكن ما يجري حاليا ينبئ بأن مصير الحكومة ستقرره الأوضاع على الأرض وليس مفاوضات جنيف.

ازدواجية الموقف الروسي ووجود مطامع لدى موسكو باستعادة سيطرة النظام السوري على مدينة حلب أكدها الجنرال ليونيد إيفاشوف في حديث للجزيرة نت، أوضح فيه أن "التعاون الروسي-السوري الذي أدى إلى تحرير مدينة تدمر، سيتوجه لتحرير مدينة حلب والرقة".

كما يعزز التكهنات حول الموقف الروسي المتلاعب من مفاوضات جنيف حديثُ رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي عن الحاجة للإسناد الجوي الروسي لاستعادة السيطرة على حلب خلال لقائه وفدا برلمانيا روسيا، وبيان الخارجية الروسية أمس الجمعة بشأن تمركز قرابة ثمانية آلاف مقاتل ينتمون لـجبهة النصرة جنوب غرب حلب و1500 شمالها، وازدياد تدفق السلاح عبر الحدود التركية لهم مما قد يشكل حصارا على المدينة.

سوبونينا: تغيّر الموقف على الجبهات لصالح قوات الأسد (الجزيرة-أرشيف)

عامل الحسم
تعليقا على ذلك يرى عضو أكاديمية العلوم الروسية فيكتور ميخين أن جنيف ما هي إلا ساحة من ساحات المواجهة، في حين أن ميزان القوى على الأرض هو عامل الحسم الحقيقي الذي يحدد سير المفاوضات ويتحكم بنتائجها.

وأضاف أنه لا شك في أن نظام الأسد حاليا في أفضل حالاته، وقد استعاد زمام المبادرة بفضل التدخل العسكري الروسي.

ويرى ميخين أن روسيا تنشط في اتجاهين رئيسيين، أولهما يتمثل في الحفاظ على الهدنه لمنع قوات المعارضة السورية من تحقيق انتصارات على الأرض، ودعم قوات الأسد لاستعادة المدن الرئيسية مثل حلب والرقة وإدلب.

أما الاتجاه الثاني فيتمثل في توسيع إطار المشاركة في مفاوضات جنيف بضم ممثلين عن القوى الكردية، خاصة وحدات حماية الشعب التي تسيطر على بعض المناطق من شمال سوريا.

ويرى ميخين أن بقاء الأوضاع في سوريا كما هي دون تمكن أي طرف من حسم المعركة لصالحه سيطيل أمد مفاوضات السلام التي قد تمتد لسنوات. 

 ميخين: جنيف ما هي إلا ساحة من ساحات المواجهة (الجزيرة-أرشيف)

مضيعة للوقت
من جهة أخرى يرى بعض الخبراء أن الحديث عن مفاوضات جنيف ما هو إلا ملهاة، وهذا ما يؤكده مدير معهد دراسات الشرق الأوسط سيمون بغداساروف، موضحا أن الأسد هو الرئيس الشرعي لسوريا، وعلى المعارضة أن تعترف بذلك وأن تعمل معه لإجراء إصلاحات سياسية تمهيدا لمشاركتها فعليا في الحياة السياسية.

وبيّن بغداساروف أن هذا الأمر يمثل جوهر الحديث عن أية تسويات محتملة، والهدف من جنيف هو وضع أطر قانونية لهذا السيناريو.

وأضاف أن "تحرير" الرقة أمر مفروغ منه، كما يجب دعم القوات الكردية ومدها بالسلاح للقيام بذلك بمساعدة الجيش النظامي.

وفيما يخص حلب أوضح المتحدث نفسه أن هناك بعض التعقيدات، نظرا لأن دولا إقليمية مثل تركيا ترفض دخول قوات النظام لها وتعدها مسألة حيوية لأمنها، كما أن الولايات المتحدة تهدد بتسليح المعارضة السورية بأسلحة نوعية في حال شن هجوم واسع على حلب، ولكن روسيا في المقابل تستطيع دعم أكراد تركيا بأسلحة نوعية ووقف التصعيد وفرض الشروط، وفق تعبيره.

المصدر : الجزيرة