خالد شمت-برلين
 
أنهت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حالة من التردد المصاحب لجدل سياسي صاخب، حول إطلاق مذيع تلفاز ألماني أوصافا جنسية شاذة في قصيدة شعرية على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأعلنت استجابة حكومتها لطلب نظيرتها التركية بإحالة الإعلامي يان بومرمان إلى القضاء الألماني بتهمة إهانة أردوغان.

وقالت ميركل في بيان ألقته الجمعة بدائرة المستشارية في برلين إن الفصل بين الحقوق الشخصية للمتضررين والمطالب المتعلقة بحرية الإعلام والفن، من اختصاص القضاء والمحاكم وليس الحكومة بدولة القانون الألمانية.

وأهان الإعلامي الكوميدي بومرمان بقصيدة هجاء ألقاها ضمن برنامجه "نيو ماغازين روياله" بالقناة الثانية شبه الرسمية بالتلفاز الألماني (زد.دي.أف)، الرئيس التركي بأوصاف إباحية متتالية، ودفعت قسوة هذه الأوصاف القناة التلفزيونية إلى حذفها من مكتبتها الرقمية. 

 هجاء أردوغان أثار جدلا حادا في أوساط الرأي العام الألماني (الجزيرة)

إهانة متعمدة
وأشعل بث هجاء بومرمان لأردوغان جدلا حادا بالرأي العام الألماني بين المدافعين عن حرية الرأي والسخرية وبين منتقدي القصيدة. وكشف المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفان زايبرت أن المستشارة ميركل تحادثت هاتفيا مع نظيرها التركي أحمد داود أوغلو عن القصيدة، واتفقت معه على وجود حدود لحرية الرأي، واعتبار القصيدة جارحة بشكل متعمد.

كما طلبت تركيا من السلطات الألمانية السماح لها بملاحقة المذيع صاحب القصيدة قضائيا، وهاجم السفير التركي بألمانيا حسين عوني قرصلي أوغلو قصيدة الهجاء معتبرا أنها إهانة لكل الأتراك، وشككك في قدرة أي قناة تلفزيونية ألمانية على بثها إن كانت تتعلق بإسرائيل.

واستندت الحكومة الألمانية في سماحها لأنقرة بمقاضاة بومرمان إلى المادة رقم 103 من قانون العقوبات الألماني والتي تجرم إهانة رؤساء الدول الأجنبية باعتبارها جريمة تستوجب حال ثبوتها عقوبة السجن بين ثلاث وخمس سنوات. وأوضحت المستشارة ميركل أن حكومتها ستتقدم بطلب لإلغاء هذه المادة.

وعكست ردة الفعل التالية استجابة ألمانيا للطلب التركي اختلافا واسعا بين موقفي الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل وشريكه في الحكومة الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

شتاينباخ: ميركل وازنت بين الاعتبارات القانونية والسياسية (الجزيرة)

واعتبر رئيس الكتلة البرلمانية للحزب المسيحي فولكر كاودر أن موقف ميركل سليم، بينما انتقد وزيري الخارجية فرانك فالتر شتاينماير، والعدل هايكو ماس -المنتميين للحزب الاشتراكي- القبول بمقاضاة المذيع صاحب القصيدة الساخرة، ووصف رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي توماس أوبرمان -في تغريدة على موقع تويتر- استجابة ميركل للطلب التركي بالخطأ.

كما وجه حزب الخضر المعارض انتقادات مماثلة لموقف ميركل، واعتبرت سيفيم داجدالين ممثلة حزب اليسار المعارض بلجنة الخارجية في البرلمان الألماني (بوندستاغ) في تصريح للجزيرة نت، أن إعلان ميركل موافقتها على إحالة المذيع الكوميدي إلى القضاء "ركوع أمام تركيا وتضحية بحرية الصحافة".

موقف متوازن
من جانبه عبر رئيس قسم الشرق الأوسط بجامعة فيدرينا الألمانية البروفيسور أودو شتاينباخ عن تفهمه لموقف ميركل، معتبرا أنه وازن بين اعتبارات قانونية واهتمامات السياسة الخارجية الألمانية.

وقال شتاينباخ للجزيرة نت إن قرار ميركل بعد نأيها بنفسها عن قصيدة الهجاء وسفرها لتركيا خلال حملة الانتخابات الأخيرة بهذا البلد، يعكس تعويلها على أردوغان كشريك في حل أزمة اللاجئين.

وأشار إلى أن هناك أسئلة مطروحة حول بث قصيدة الهجاء في هذا التوقيت، واحتمال وجود دافع سياسي خلفها يهدف إلى الإضرار بالتوافق الألماني التركي بشأن قضية اللاجئين.

بدوره، اعتبر السياسي والإعلامي الألماني يورغن تودنهوفر أن حرية السخرية في ألمانيا "بلا حدود"، إلا إذا تعمدت الإهانة وجرح المشاعر والاستفزاز المتعمد.

المدهون: كلام بومرمان تم توظيفه سياسيا في حملة هستيرية معادية لتركيا (الجزيرة)

وقال تودنهوفر في تصريح للجزيرة نت إن قصيدة بومرمان اشتملت على تعبيرات إباحية هابطة ودون المستوى خارج إطار حرية التعبير والسخرية، وأشار إلى أن معظم وسائل الإعلام الألمانية تجنبت ذكر نص القصيدة بسبب تجاوزها الحدود، في مقابل أن معظم المدافعين عن الإعلامي الكوميدي لم يطلعوا على نص ما قاله.

وفي السياق نفسه، رأى الخبير بالشؤون الألمانية لؤي المدهون أن المستشارة ميركل راعت في موقفها من القصيدة الفصل بين السلطات، وتركت الأمر للقضاء.

وقال المدهون للجزيرة نت إن قصيدة بومرمان مثلت تجميعا لكلمات مبتذلة خارج إطار النقد، وتم توظيفها في سياق سياسي ضمن إطار حملة هستيرية إعلامية مناهضة لتركيا.

المصدر : الجزيرة