زهير حمداني
 
تصل الأزمة السياسية في العراق إلى شفير الانفجار، حالة غليان في الشارع وفي البرلمان واعتصامات هنا وهناك وتلويح بإقالة "رؤوس الدولة" في مشهد يستحضر طبيعة الصراع السياسي في بلاد الرافدين في مرحلة ما بعد 2003 والذي يرجعه كثير من المواطنين إلى البناء الطائفي للنظام السياسي.
 
قبل أيام، استبشر العراقيون بأن ضغوط الشارع بدأت تعطي أكلها وأن الأزمة "اشتدت لتنفرج" لا سيما بعد إقرار الجميع بفشل الحكومات في حل المعضلات المتراكمة بين السياسي والاجتماعي والعسكري، لكن المشتبكين مع المشهد السياسي كانوا يعرفون أن أزمة الحكومة ستقود إلى اندلاع أزمة أكثر بنيوية.
 
وفي ظاهر الأزمة، كانت معظم الأحزاب والتيارات مع المطالب الإصلاحية التي رفعتها منذ أشهر جماهير غاضبة على تردي الأوضاع المعيشية، وجسدها لاحقا التيار الصدري باعتصامات وصلت إلى قلب المنطقة الخضراء تصورت الحل في حكومة لا تقبل "المحاصة".
 
ومع الوصول إلى لحظة الفعل السياسي وطرح العبادي لتشكيل حكومة تكنوقراط، انفجرت المسألة برمتها، مما أكد أن نظاما سياسيا مبنيا أساسا على المحاصة الطائفية لا يمكن أن ينتج في النهاية إصلاحا جذريا بعنوان إتاحة المجال للكفاءات.

video
أزمة حكومة
كان الخلاف في البداية على طريقة تشكيلة حكومة جديدة بقيادة حيدر العبادي من الكفاءات غير الحزبية، حيث تم طرح قائمة أولى فرفضت، وطرحت ثانية فأثارت أزمة داخل مجلس النواب وصلت حد الاشتباك بالأيدي.
 
ويعتصم 171 نائبا -من بين 328- رفضا لتشكيلة العبادي الحكومية ولوثيقة الإصلاح السياسي التي وقعت من الرئاسات الثلاث، بعدما اعتبروها إعادة إنتاج محاصة جديد.
 
وقد شهد البرلمان الخميس خلافات حادة على قانونية الجلسة التي تمكن خلالها عشرات النواب من عقدها والتصويت فيها على إقالة هيئة الرئاسة، وانتخاب النائب عدنان الجنابي رئيسا جديدا مؤقتا للبرلمان بدلاً من سليم الجبوري الذي تم عزله.
 
من جهته، قال الجبوري إنه لا يترتب على إقالته من رئاسة البرلمان أي أثر قانوني، مؤكدا أن المجلس سيستأنف جلساته الاعتيادية السبت المقبل، في حين يستعد الأعضاء لطرح تصويت بحجب الثقة على الرؤساء الثلاثة وهم -بالإضافة إلى الجبوري- رئيس الحكومة العبادي (شيعي) ورئيس البلاد فؤاد معصوم (كردي).
 
ويقول إياد الشمري -النائب عن كتلة الأحرار بالبرلمان والتابعة للتيار الصدري، وهو أحد النواب الذين صوتوا على إقالة الجبوري- إن جلسة الخميس التي أقيل فيها الجبوري قانونية وتمت بموجب المادة 12 من الدستور، وعقدت بالأغلبية المطلقة وانتخب فيها الجنابي رئيسا مؤقتا.
 
وأوضح أن الخطوة التالية ستكون تشكيل هيئة رئاسة البرلمان ثم تشكيل الحكومة ورئيس وزراء يختاره الشعب، مشيرا إلى أن النواب المعتصمين داخل البرلمان لا يمثلون الكتل النيابية أو المحاصة الطائفية وإنما كافة أطياف الشعب.
عشرات من النواب اعتصموا بالبرلمان رفضا لتشكيلة الحكومة التي قدمها العبادي (رويترز)

أزمة حكم
بعض النواب يرون أن إقالة الجبوري تعد أول خطوة في إسقاط ما يسمونها "رؤوس المحاصصة"، واعتبر المحلل السياسي العراقي وليد الزبيدي أن أبرز الأخطار الراهنة في العراق هي الرئاسات الثلاث والبرلمان الذي لا يمكن حدوث تغيير في ظل حمايته لحكومات المحاصة الطائفية.

لكن إقالة الجبوري ونائبيه -ولاحقا رئيسي الحكومة والدولة- قد تعصف بالعملية السياسية برمتها، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة طويلة الأمد، ويؤكد النائب أحمد المساري (عن تحالف القوى العراقية) إن الدعوات إلى الإقالة "ستؤدي إلى إنهاء مفهوم الشراكة السياسية ومبدأ التوافق الذي قامت عليه العملية السياسية".

ويتمسك "تحالف القوى العراقية" -الذي ينتمي إليه رئيس البرلمان- بالجبوري رئيسا، باعتبار ذلك خيارا للتحالف وجزءا من معادلة شاملة توافقت عليها الكتل السياسية، وهو ما قد تتمسك به أيضا بقية المكونات السياسية بينها الأكراد الذين لم يتحمسوا كثيرا لمسألة التكنوقراط.

وفي هذا السياق، يرى الشمري أن حصول تغيير في العراق يستوجب هدم العملية السياسية الحالية بأكملها وإحداث تغيير أفقي وعمودي في الدستور والذي هو أس البلاء في العراق، وذلك لا يمكن حدوثه إلا بانقلاب أو ثورة على حد تعبيره.

وهذه الفرضية التي يتبناها أيضا الكثير من المحللين قد تعصف بالنسبة لآخرين بالبناء السياسي الهش الذي تأسس على مقاربات سياسية ملغومة -بعد سقوط النظام السابق- ترى في التوازنات الطائفية وسيلة للحفاظ على العراق موحدا على مستوى الشكل.

وقد أكد الجبوري نفسه بعد تصويت أعضاء البرلمان بإقالته، أن ما يجري في البلاد "مؤامرات يجب التنبه إليها" محذرا من أن "كل تصرف غير مدروس من شأنه أن يؤدي إلى نتائج كارثية".

ووصف العبادي من جهته ما حصل في البرلمان بـ"الفوضى السياسية التي لا تمت لعملية الإصلاح بأي صلة" كما تتهم أطراف مقربة من العبادي جهات لم تسمها بتقويض توجهه الإصلاحي واستهدافه سياسيا.

 العبادي أكد استمرار الحكومة في عملها (رويترز)

أزمات الإقليم
ويقول إحسان الشمري رئيس مركز التفكير السياسي العراقي -وهو قريب من العبادي- إن زعامات سياسية من الشيعة والسنة والأكراد تسعى لعرقلة المشروع الإصلاحي للعبادي لأنه يستهدف مراكز نفوذهم المحمية بموجب نظام المحاصة الحزبية والطائفية.

وتشير مصادر عراقية مقربة من العبادي إلى أن الحراك النيابي الأخير شارك فيه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بهدف إضعاف الحكومة الحالية.

ويقول الكاتب الصحفي اللبناني علي الأمين -في قراءة  للحراك النيابي- إن ما حدث في البرلمان العراقي الخميس بإقالة رئيسه هو استعراض قوة إيراني وتمهيد لحل يكون من إخراج إيران.

وفي غمرة الأزمة السياسية الحاصلة في بغداد، يرى محللون عراقيون أن الأزمة الناشبة داخل البرلمان قد تنذر بحله بما يعنيه ذلك من صعوبة إعادة إجراء انتخابات جديدة وتعطيل الوضع السياسي في البلاد، كما تشكل تهديدا لحكومة العبادي.

وهذه الأزمة السياسية هي آخر ما يحتاجه العراق في ضوء الحرب القائمة على تنظيم الدولة الإسلامية وفتح إحدى أخطر جبهاتها في الموصل، وكذلك في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، وهي تؤشر في النهاية لصعوبة ميلاد إصلاح سياسي حقيقي إلا بشكل "قيصري" لا تغيب عن ملامحه مشكلات الحكم والنظام معجونة بأزمة الثقة بين المكونات السياسية وأزمات المنطقة والعالم.

المصدر : الجزيرة