رغم مرور 27 عاما على انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، فإن الجيل الذي ولد بعدها لا يزال يعيش بعضا من أجوائها واحتقاناتها، ويشعر أن الحواجز التي صنعتها في نفوس اللبنانيين لا تزال قائمة بشكل أو آخر.

حسن الحاف-بيروت


انتهت الحرب الأهلية اللبنانية وفق الرواية الرسمية في أكتوبر/تشرين الأول 1989 مع توقيع "اتفاق الطائف" بين مختلف أطرافها وبرعاية إقليمية ودولية، لكن الحرب التي انتهت في الساحات ظلت ذكرياتها وأشباحها تحوم فوق الوطن المدمّر، وتنخر عميقاً صيغة العيش المشترك فيه.

في هذه الأثناء، كان جيل جديد يبصر النور، على وقع عملية إعادة إعمار كبرى، وأيضا على وقع هواجس كبرى كانت تعتمل في صدور الذين شاركوا في الحرب لأسباب وأهداف لم يبق منها شيء بعد 15 عاما من الاحتراب.

بعد نحو عامين من انتهاء الحرب، وبالتحديد عام 1992، ولدت إيليان أبي سليمان ابنة قضاء عاليه، لتكتشف لاحقا أن أهلها هُجّروا من بيتهم في بلدة عين درافيل بفعل الحرب الطاحنة بين الدروز والمسيحيين. فإيليان ابنة أحد الذين قاتلوا في الحرب، ووالدتها من الذين هجروا طوال الحرب، غير أنهما لم يحدثاها يوما في السياسة.

تؤكد الفتاة أنه لا هواجس لديها اليوم تجاه مكونات البلد الأخرى، فموقفها اليوم يتجه نحو الأحزاب أو الجهات السياسية لا نحو طوائفها، لكنها تستدرك أنها تجد لدى أصدقائها وأبناء جيلها هواجس طائفية.

تتذكر إيليان كيف أخبرها أحد أصدقائها بالمدرسة أنه يكره الدروز لأنهم "ذبحونا" في حين أنها لم تكن تعرف بعد من هم الدروز، وعندما سألت والدها عن الأمر قال لها "هم ذبحونا ونحن ذبحناهم، هذا ما تفعله الحروب" الأمر الذي أثر فيها كثيرا.

إيليان أبي سليمان ترى أن الحرب بدأت دفاعا عن النفس وكان المسيحيون يدافعون عن أنفسهم (الجزيرة)

جيل غير محصن
ولد علي منصور عام 1989، مع توقيع اتفاق الطائف، وهو من جنوب لبنان، لكنه نشأ وترعرع في منطقة البسطة الفوقا في بيروت، المختلطة مذهبيا إلى حد كبير.

علي لم يتربّ على كره أحد كما يقول، لأن أهله عانوا في الحرب كثيرا، وذاقوا الأمرين من جرّائها، لكنه يقول إنه كشاب مسلم في بلد كلبنان لا يستطيع الادعاء بأنه لا يتكلم في الحرب وأسبابها، التي يرى أن للعنصر الأجنبي دورا جوهرياً في إشعالها.

يذكر الشاب كيف حدّثه والده عن نجاته مرتين من الخطف على الحواجز الطائفية، وكيف أن والدته كادت تصاب برصاصة قنص عندما كانت واقفة على شرفة المنزل، وكيف تركوا الكوة التي خلفتها الرصاصة في الحائط ذكرى حتى اليوم.

يضحك علي عندما يتذكر كيف تقلق والدته عندما تعرف أنه ذاهب للقاء أصدقاء في ما كان يصطلح على تسميته أيام الحرب "المنطقة الشرقية". تسأله دائماً عن أصدقائه المسيحيين "هل أنت واثق منهم؟". يرى علي أن أكثرية أبناء جيله ليسوا محصنين ضد تكرار الحرب، وأنهم ينظرون إلى الآخر الطائفي كعدو.

الحرب قبيحة
لم يتعرف ابن مدينة طرابلس الشمالية فراس الدباغ على الحرب الأهلية من خلال والديه، فابن الزواج المختلط الإسلامي المسيحي، الذي انفصل والداه مبكرا، كان عليه أن يبحث بنفسه عن أجوبة حقيقية يكاد يكون من الصعب في بلد كلبنان الحصول عليها.

نشأ الدباغ عام 1992 مع والدته في جونيه الواقعة في "المنطقة الشرقية"، بعدما انتقل من طرابلس، لذا كان منطقيا أن تنطبع شخصيته كلها بطابع هذا التحول الديموغرافي والطائفي، فعاش صراعا إيمانيا وعقائديا مبكرا أثر لاحقا على نظرته للبلد وعلاقات مكوناتها ببعضهم البعض.

ويقول إنه تأثر بداية برموز المسيحيين، نظرا لكون البيئة القواتية التي عاش فيها تقدسهم، لكن كلامهم الدائم عن المسلمين فتح أمامه الباب للبحث، خاصة أنه كان على احتكاك مع والده وأقاربه المسلمين، فراح يبحث مكونا نظرة نقدية لأطراف الحرب كلها، ومكونا أيضاً نظرة متسامحة مع الآخر، يرى أنها تكاد تكون معدومة لدى أبناء جيله.

من أحداث 7 مايو/أيار 2008 والتي شارك فيها الكثير من المقاتلين الشباب (الجزيرة-أرشيف)

"لو كنت لقاتلت"
تكره جوليانا مهنا ابنة راشيا الوادي في منطقة البقاع (شرق لبنان) الحرب، وتقول إن الحرب مدمّرة، فعدا عن القتلى فإنها رمّلت نساء كثيرات، وتسببت في عشرات آلاف الإعاقات. لكنها -رغم ذلك- تقول إنها لو كانت في الحرب الماضية لقاتلت دفاعاً عن طائفتها، لأن للحرب ظروفها.

على أن المولودة منتصف التسعينيات تميز بين الحرب الماضية وأي حرب مقبلة، فتقول إنها لن تشارك في أي حرب مقبلة، لأن تعاليم "الحزب التقدمي الاشتراكي" الذي أسسه الزعيم الراحل كمال جنبلاط تدعو إلى السلم وتحتاج إليه كي توضع في التطبيق، كما تقول.

تقول جوليانا إن حياتنا اليوم تختلف عن حياة أهلها، فلا مشكلة لديها مع المسيحيين، خصوم الحرب، بل على العكس، هي تعيش معهم، وتتعلم في مدارسهم.

المصدر : الجزيرة