ما تزال فصول حكاية النجاح مستمرة كما ترويها أم يوسف، حيث بدأت توسيع عملها في صناعة المعجنات وبيعها، وانتقلت إلى مشروع صغير ثان لتربية المواشي وتصنيع الأجبان.

محمد عمران-غزة

لم يتزعزع يقين الفلسطينية معزوزة أبو مغصيب بإمكانية نجاحها في انتزاع عائلتها من براثن الفقر والعوز، ونقلها إلى حالة الاستقرار والكفاية، رغم مرات الفشل العديدة التي منيت بها، وهي تؤسس لمشروع تصنيع المعجنات الذي طالما حلمت به، قبل أن تراه يتحقق أمام عينيها.

فسعيها الحثيث نحو البحث عن تمويل لمشروعها تكلل بالنجاح بعد موافقة إحدى المؤسسات القطرية قبل سنوات على دعمها بلوازم وأدوات تصنيع المعجنات، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها، تحولت خلالها إلى نموذج فريد للمرأة المنتجة التي تسير بثقة وسط حقول الأشواك الاجتماعية والمعيقات الاقتصادية.

وسرعان ما نجحت أم يوسف في توفير منتج بجودة عالية وسعر مناسب مما أهلها لاكتساب ثقة الزبائن في غزة، حيث بدأت بتوصيل منتجاتها من الكعك والمعمول وغيرها إلى المنازل، قبل أن تنتقل للتوزيع على بعض البقالات والأسواق.

من نجاح لآخر
وما زالت فصول حكاية النجاح مستمرة كما ترويها أم يوسف للجزيرة نت التي التقتها في منزلها بدير البلح وسط القطاع، حيث بدأت توسيع عملها عبر مشروع صغير لتربية المواشي، سرعان ما كبر وأضافت إليه بقرة حلوبا لتكمل مرحلة أساسية من طموحها، بمشاركة أبنائها وبناتها وإحدى قريباتها في مشروعيها.

عندما استقرت الأحوال الاقتصادية للأم الفلسطينية -التي انفصلت عن زوجها منذ 17 عاما وتكفلت بتربية أبنائها الستة- قررت تزويج ابنها البكر ثم الثاني، وأعادت ابنتها إلى مقاعد الدراسة الجامعية.

وتعود معزوزة بذاكرتها إلى الوراء عندما احتضنت أبناءها بعدما ألقي بهم إلى الشارع ولم تجد كسرة خبز تطعمهم أو كساء يسترهم، لتصبح الأم والأب في الوقت ذاته، من دون مصدر رزق يعينها على مشاق الحياة.

لكن اليأس لم يتسلل إلى نفسها آنذاك -كما تقول وهي تبكي بحرقة- وخاضت تجربة قاسية قبل ذلك بالسفر للعمل في الضفة الغربية، واعتقلها الاحتلال 45 يوما، ثم رحّلها إلى غزة، لتدفع ما جمعته لسداد دين البيت الذي بنته قبل أن تُطرد منه وتُطلَّق.

وتضيف أن واقعها المؤلم كان بمثابة دافع لتغييره نحو الأفضل، ولم يكن أبدا سببا لعجزها أو تراجعها عن تنفيذ طموحها، خصوصا أن شظف العيش وضيق الحال أكسباها قدرة عالية على التحمل.

معزوزة تسعى لمساعدة غيرها من النساء اللواتي مررن بتجارب قاسية (الجزيرة)

علاقات أسرية
بيد أن ماضيها الصعب لم يمحُ الابتسامة التي تظهر على محياها دون انقطاع، وهي تحتضن حفيدتيها تارة أو تمازح زوجتي ابنيها تارة أخرى، لترسم لوحة إنسانية جميلة من العلاقات الأسرية الحميمة التي تعتبرها أكبر تقدير لها بعد رحلة شاقة لم ترسُ بعد على شاطئ الأمان.

رحلتها لن تتوقف إلا بإكمال طموحها بافتتاح محل لها وسط سوق دير البلح، وشراء قطعة أرض لتبني عليها منزلا لأبنائها، وأداء فريضة الحج بعد أن زارت الحرمين أربع مرات للعمرة، ثم ستتفرغ لمساعدة النساء اللواتي يعانين من المعيقات ذاتها التي واجهتها، لتنتشلهن من مستنقع الفشل إلى بر النجاح.

وتؤكد معزوزة -التي تختصر تجاعيد وجهها جزءا من حكايتها- أن رسالتها الأساسية للنساء الفلسطينيات والعربيات، ألا يفرطن بفلذات أكبادهن هروبا من المسؤولية وظنا أنهن غير قادرات على المواجهة، إذ يمكنهن صناعة المستحيل متى امتلكن الإرادة والعزيمة والإصرار وفق تقديرها.

وهذه هي الصفات التي أهلتها كذلك لتحظي باحترام الجيران والأقارب وأصحاب المتاجر الذين يتعاملون معها يوميا، حيث القدرة على الإقناع والالتزام بالمواعيد والانضباط الاجتماعي، كما يصفها هاني سعدة صاحب إحدى البقالات.

ويقول سعدة للجزيرة نت -بعد أن أجرى نقاشا مع أم يوسف حول أسعار بعض المعجنات ومنتجات الألبان التي يشتريها منها- إنها دائما تغلبه بأسلوبها وتقنعه بأسعارها، فلا يجد بدا من الاستسلام لوجهة نظرها.

ويؤكد أن تجربتها الإنسانية المبدعة تجسد صورة مشرقة للمرأة الفلسطينية التي يجب أن تحذو النساء حول العالم حذوها، بحسب اعتقاده.

المصدر : الجزيرة