معزّ الجماعي-قابس

في مدينة قابس الساحلية بجنوب شرق تونس، تتفاقم معاناة البحارة والصيادين بسبب ما يصفونه بأنه كارثة بيئية تفتك بمصدر رزقهم منذ إنشاء مصنع تكرير الفوسفات فيها قبل عشرات من السنين كان البحر خلالها الملاذ الأخير للفضلات والنفايات الكيميائية التي يفرزها المصنع.

وبينما ترفض السلطات هذه الاتهامات وتعتبرها تهويلا لوضع لم يرتق إلى مستوى الكوارث البيئية، تطالب نقابة الصيادين في محافظة قابس إدارة "المجمع الكيميائي التونسي" المشرف على المصنع العملاق بتعويضات مالية، جبرًا للضرر الذي لحق البحارة.

ويرى مختار ميداسي الذي يعمل في مجال الصيد البحري منذ قرابة ربع قرن أنه أصبح مهددا بدخول السجن في حالة عدم تسديد ديونه المتراكمة لدى البنك الذي أقرضه لشراء مركب صيد، قبل أن تندثر أحلامه بسبب التلوث "الكارثي" المتواصل لمياه البحر في قابس وهجرة أغلب أنواع الأسماك إلى مناطق أخرى، حسب قوله.

ويضيف مختار "مركبي صغير الحجم ولا أقدر على الصيد في أعماق البحر، هذه الإمكانيات المحدودة دفعتني إلى العمل قرب السواحل لكن السوائل الغريبة التي يلقيها المجمع الكيميائي يوميا في البحر حرمتني من الصيد الوفير. لقد تغير لون الماء ولم نعد نجد ما نصطاد ونبيع".

جانب من خليج قابس ومصنع المجمع الكيميائي التونسي خلفه (الجزيرة)

السلطات تنفي
ويعد هذا الصياد واحدا من نحو 4000 شخص في قابس يعتبرون أن التلوث سيقضي على مستقبلهم ومصدر رزقهم، في حين ترفض السلطات المحلية هذه الاتهامات التي ترى أنها مجرد تهويل ولا أساس لها من الصحة.

ولم ينكر مصدر من إدارة المجمع الكيميائي بقابس، فضل عدم الكشف عن اسمه، وجود مصب في البحر لمادة "الفسفوجيبس" الملوثة التي يفرزها تكرير المصنع لمادة الفوسفات. ويقول في حديثه للجزيرة نت إن هذه المشكلة البيئية لن تتواصل "لأننا قررنا إلقاء المادة المذكورة في اليابسة لتفادي التلوث البحري، لكن بعض مكونات المجتمع المدني ما زالت تحول دون تنفيذ هذه الخطة".

في المقابل، يعتبر البحارة أن هذه الإجراءات جاءت بعد فوات الأوان. ويقول الصياد محمد الحجاجي إن مادة "الفسفوجيبس" قضت على الأعشاب البحرية التي تتغذى منها الأسماك في خليج قابس أثناء فترة التناسل والولادة.

ويضيف الصياد بحسرة بادية على محياه "انطلقوا في إلقاء هذه المواد وغيرها من السوائل المتلوثة منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي بعد إنشاء أكبر مجمع كيميائي في تونس قرب الميناء البحري في المحافظة".

ويتذكر محمد أن عمله في قطاع الصيد البحري كان يوفر له أرباحا طائلة، مشيرا إلى أن زبائنه كانوا يأتون من جميع مناطق البلاد لشراء الأسماك الطازجة والرخويات، لكنه لجأ منذ قرابة عشر سنوات إلى الصيد في مياه المدن المجاورة التي يرفض صيادوها أحيانا تقاسم خيرات بحر البلاد مع زملائهم الفارين من التلوث في قابس.

عدد من الصيادين بميناء قابس خلال تنظيف وصيانة الشباك بعد تضررها من التلوث (الجزيرة)

بقية المهن
ولم تقتصر الانعكاسات السلبية للتلوث على بحارة الجهة فحسب، وإنما طالت بقية المهن المرتبطة بهذا القطاع.

وفي هذا الصدد، يقول صاحب ورشة صناعة السفن في قابس بهلول بوبكر "أفكر في تغيير نشاط الورشة الذي أزاوله منذ 35 سنة، عملي أصبح مخصصا فقط لإصلاح وصيانة مراكب صيادين أصبحوا غير قادرين على شراء سفن جديدة. فقد عجزوا عن تسديد ديونهم وتوفير أموال لشراء معدات صيد جديدة بسبب تراجع الإنتاج جراء التلوث".

وتعتمد وحدات المجمع الكيميائي بقابس على الفوسفات المستخرج من مدن الجنوب الغربي، في تصنيع المواد الكيميائية بعد غسله بطرق عصرية، مما يفرز آلاف الأطنان من مادة "الفسفوجيبس" لم تجد المصانع حلولا لتصريفها إلا عبر إلقائها في مياه البحر.

ويشكك رئيس جمعية البيئة وصيانة الواحة بقابس نادر شكيوة في جدية السلطات في إيجاد حلول جذرية لظاهرة تلوث البحر. ويفسر ذلك بأن الدولة لن تضحي بمجمع كيميائي يضمن لها دخلا بمليارات الدولارات من العملة الصعبة شهريا من أجل حياة أفضل لعدد من البحارة، وفق تعبيره.

واتهم الناشط الحكومة بالتهرب من تحمل مسؤوليتها في هذا الموضوع، خاصة أنها ترفض منذ سنوات إصدار إحصائيات رسمية تتضمن الحجم الحقيقي للتلوث وكميات وأنواع الفضلات التي تلقى في البحر.

المصدر : الجزيرة