يؤكد الكثير من سكان كولن الألمانية على التمسك بالانفتاح على الغرباء والترحيب باللاجئين، ورفض محاولات اليمين المتطرف العودة للحياة السياسية عبر بوابة حادثة التحرش الجماعية التي ارتكبها بعض اللاجئين العرب ليلة رأس السنة الميلادية الماضية داخل ساحة المدينة.

جورج كدر-كولن

تستلقي كولن رابع أكبر مدن ألمانيا على ضفتي نهر الراين الذي يقسمها لقسمين، لكن الهندسة المعمارية البديعة جعلتهما كتلة واحدة حيث يمكن للمتجول في شوارعها وحاراتها القديمة أن يرى كيف تتماهى الأبنية المعاصرة مع أبنيتها الأثرية التي بناها الرومان قبل مئات السنين، حتى أن هندستها المعاصرة تتيح للزائر رؤية كاتدرائيتها المهيبة ذات الارتفاع الشاهق في جميع أرجائها.

ويمكن لعابر ساحة "الدوم الشهيرة" وسط المدينة أن يسمع كل لغات العالم كما لو أنها مسرح عالمي لتقديم الفنون، فوسط ضجيج الناس وثرثراتهم يمكنك أن تشاهد شابا أفريقيا يعزف على آلة نفخية غريبة ألحانا عذبة، وأن ترى فنانا يفترش الأرض ساعات ويعبث بالألوان لتصير الأرض لوحته، وسترى عجوزا ألمانيا بزي جرماني يمسك آلته الموسيقية ناشرا موسيقاه التراثية في أرجاء المكان.

ولا يعكر صفو المشهد بالمدينة إلا الوجود الأمني الكثيف وسيارات الشرطة في ساحتها الشهيرة المعروفة بساحة الدوم، أو كما باتت تعرف بساحة "التحرش" إثر أحداث رأس السنة سيئة الصيت الذي قام بها بعض اللاجئين العرب.

الكثير من سكان كولن يتخوفون من استغلال اليمين المتطرف لحادثة التحرش للعودة للحياة السياسية (الجزيرة)

استنفار أمني
كل هذا الجمال.. لماذا يشوهونه بسيارات الشرطة؟ سألت أحد الكولونيين وهو خارج لتوه من المتحف الروماني الملاصق للكاتدرائية، فأجاب "كولونيا مدينة ترمم جراحها بسرعة، لكن يبدو أنهم يريدون تذكيرنا فقط بالليلة السوداء ولا شيء آخر يبرر وجودهم".  

الصادم حقا أن أحداث التحرش تلك لم تتسبب فقط بتغيرات دراماتيكية بالقوانين الألمانية تجاه اللاجئين، لكنها كانت أحد أسباب فوز حزب البديل اليميني المتطرف في انتخابات سكسونيا ووصوله لأول مرة لبرلمان الولايات الثلاث بألمانيا٬ وزيادة على ذلك جعلت ميركل التي استقبلت قبيل الأحداث اللاجئين بنفسها ملتقطة معهم صور "سيلفي" تغلق أبوابها فجأة بوجههم وتوافق ضمنيا على "الجدران العازلة" التي بنيت على حدود الاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة لمغني الأوبرا الألماني غويدو ستيرزل المعروف بالمدينة، فإن شيئا لم يتغير بشكل جذري في تعامل مدينة كولن مع الغرباء ولا بطريقة استقبالهم أو اندماجهم على أرض الواقع، كما حدث في باقي الولايات، قائلا "بقيت كولن مدينة عالمية وتحتوي الجميع". 

ويبدو ستيرزل أنه تفاجأ من تصرف الإعلام خارج كولن في عموم ألمانيا، فهم كما يؤكد يتناولون فقط وجهة النظر اليمينية ويركزون عليها في كل تقاريرهم الإخبارية، وكان هذا الأمر أحد الأسباب الرئيسية في هذا الصعود غير المتوقع لليمينيين.

ويضيف: والداي كانا مصدومين من صعود اليمين لأنهما عاصرا الفترة العنصرية والمتشددة تجاه الغرباء، وكانا قلقين جدا وصدما بهذا النجاح، لكنهما لا يعتقدان أن ذلك يمكن أن يحصل في كولن لأنها مدينة تشبه الملح في الطعام وبدون الملح يفسد الطعام.

فنان يرسم على أرضية ساحة الدوم الشهيرة (الجزيرة)

مخاوف شعبية
من جانبها، تقول الفنانة الألمانية البرازيلية الأصل ميريام شيبابي -أحد الوجوه الفنية البارزة في عالم الكوميديا والمسرح بمدينة كولن- إن "معرفة تفاصيل ما جرى ليلة رأس السنة ستكون أمرا مستحيلا لأنها قضية معقدة جدا".

لكنها تعتقد أن من يقف خلف تلك الأحداث هو شبكة من الأجانب القدماء المعروفين الذين يشكلون بعلاقاتهم المتشعبة ما يشبه المافيا، وقد التقت مصالحهم مع مصالح شخصيات في اليمين المتطرف الذي يريد رفع أسهمه وفرض وجوده على الخارطة السياسية الألمانية.

أما شتيفاني مارتين -الصحفية الألمانية من كولن التي تعمل متطوعة لدى منظمات تعنى بشؤون اللاجئين- فتوافق بعض الشيء على ما قالته صديقتها ميريام، وتكشف في حديثها للجزيرة نت، فتعتقد بوجود علاقة خفية بين الحدثين الأول في رأس السنة والثاني صعود اليمين المفاجئ الذي شكل صدمة بالنسبة لها.

وتأمل الصحفية الخمسينية ألا تقع ألمانيا التي تحاول التكفير عن جريمتها العنصرية و"محارق الهولوكوست" قائلة "أتمنى أن نقف كألمان ضد هذا التيار المتطرف وأن نميز أنه حزب كاذب وليس لديه أي برنامج سياسي سوى التحريض".

المصدر : الجزيرة