محمد محسن وتد-أم الفحم

شكلت انتفاضة القدس والأقصى عام 2000 مرحلة مفصلية في ما يتعلق بتنامي الهجرة المعاكسة لليهود من فلسطين التاريخية، إذ بلغ عدد الإسرائيليين الذين هاجروا إلى الخارج في العقد الأخير نحو 200 ألف.

وتعاظمت خلال الحروب الإسرائيلية على لبنان وغزة عوامل الطرد الديمغرافي لليهود من إسرائيل بسبب العوامل والهواجس الأمنية، وتصاعد المخاوف لدى اليهود بأنهم مستهدفون ويعيشون دون استقرار مع غياب الأمن الشخصي.

وترجح التوقعات الإحصائية والبحثية الإسرائيلية أن يتزايد التعداد السكاني للعرب إلى درجة تجعل نسبة اليهود أقل من 50% بحلول العام 2020، وذلك إذا استمرت الهجرة المعاكسة، وتأزمت الأوضاع الأمنية والسياسية وتعاظم دور المقاومة العربية في مواجهة الاحتلال.

ولمواجهة هذه الهواجس، تسعى الحركة الصهيونية -التي تقدر بأن 43% فقط من يهود العالم يقيمون في إسرائيل- إلى تكثيف حملات الهجرة لجذب نحو 300 ألف يهودي من الأرجنتين وأميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا وإثيوبيا والهند لتوطينهم في فلسطين التاريخية.

جنسيات أجنبية
وحسب دراسة صادرة عن مركز تراث "بيغن"، فإن 59% من اليهود في إسرائيل توجهوا أو يفكرون بالتوجه إلى سفارات أجنبية للاستفسار وتقديم طلبات للحصول على جنسيات أجنبية، بينما أبدت 78% من العائلات اليهودية دعم أبنائها الشباب للسفر إلى الخارج.

كرزم: الهجرة المعاكسة لليهود من إسرائيل إشكالية وجودية لتل أبيب (الجزيرة)

ويستدل من دراسة صادرة عن مركز "مدى الكرمل" في حيفا أن هناك 1.5 مليون إسرائيلي يحملون جوازات سفر أجنبية، إضافة إلى مئة ألف يحملون الجواز الألماني، ونصف مليون يحملون الجواز الأميركي، فضلا عن 250 ألف طلب جنسية معلق في سفارة واشنطن بتل أبيب.

وسلط الباحث بالمركز جورج كرزم في دراسته "الهجرة اليهودية المعاكسة ومستقبل الوجود الكولونيالي في فلسطين" الضوء على مستقبل الوجود اليهودي في فلسطين التاريخية، والتحديات الديمغرافية والسياسية للمؤسسة الإسرائيلية، ومدى قدرتها على الحفاظ على وجود أغلبية يهودية.

الهواجس الديمغرافية
وتوقع كرزم في حديثه للجزيرة نت أن تستمر نسبة اليهود في فلسطين بالهبوط في الأعوام القادمة إذا ما واصلت معدلات الخصوبة والولادة لدى الفلسطينيين ارتفاعها، وواصلت الهجرة اليهودية المعاكسة بالارتفاع، وشدد على أن الهجرة المعاكسة إشكالية وجودية بالنسبة لإسرائيل لأنها دولة هجرة واستيطان استعماري.

ويجزم بأن استدامة المشروع الاستيطاني وتكريس الواقع الكولونيالي في الضفة الغربية، وتجزئتها وتحويلها إلى كانتونات في ظل غياب مقومات الدولة الفلسطينية، يأتي لتثبيت الوجود الاستيطاني، بيد أن هجرة اليهود الإسرائيليين تعتبر من أكبر التحديات التي تواجه المشروع الصهيوني في هذه المرحلة وتعيق حملات الجذب واستقدام يهود العالم.

مستوطنة حلاميش المقامة على أراضي قرية النبي صالح شمال غرب مدينة رام الله بالضفة (الجزيرة)

ويعتقد كرزم أنه إذا تحول اليهود إلى أقلية في فلسطين التاريخية فهذا مؤشر على أن دولة إسرائيل تلامس الحد الديمغرافي الحرج، وإذا ما تواصلت الهجرة المعاكسة واستنزاف الاقتصاد والموارد البشرية فإن ذلك يعني الدخول في مرحلة الخطر الإستراتيجي على الوجود المؤسساتي والبشري لكيان إسرائيل.

قنبلة موقوتة
ويرى سعيد سليمان -وهو حاصل على الدكتوراه في الجغرافيا- أنه سعيا من إسرائيل للحفاظ على أغلبية يهودية في فلسطين التاريخية، وتحصين المشروع الاستعماري من التحديات الداخلية، عمدت إلى الترسيخ في ذهنية اليهود هواجس التحولات الديمغرافية لفلسطينيي 48، والترويج بأنهم قنبلة موقوتة وخطر إستراتيجي وأمني على مستقبل إسرائيل.

ويجزم الباحث باستطلاعات الرأي عميد صعابنه الذي أعد بحثا حول الاستيطان الإسرائيلي في الضفة والقدس والخصائص الديمغرافية، أن تل أبيب حولت المستوطنات إلى دولة رفاه على حساب الخدمات والميزانيات المخصصة للإسرائيليين داخل الخط الأخضر، وذلك من أجل تثبيت المشروع الاستيطاني.

وأضاف صعابنه أنه يقطن اليوم في المستوطنات قرابة 700 ألف مستوطن، ويُتوقع أن يصل تعدادهم بحلول العام 2048 إلى 1.7 مليون.

المصدر : الجزيرة