"غير مسبوق".. وصف اختصر به الرئيس التونسي الهجوم الذي نفذته عناصر يرجح انتماؤها لتنظيم الدولة على بنقردان الحدودية، وهو أيضا تعليق يمكن أن يحيل إلى التحديات الأمنية "غير المسبوقة" لمواجهة الجماعات المسلحة التي قد تقلب الوضع الهادئ في أي لحظة.

إيمان مهذب

مثّلت مواجهات مدينة بنقردان التونسية التي دارت أمس الاثنين بين قوات الأمن ومسلحين يُرجح انتماؤهم لتنظيم الدولة الإسلامية، نقطة تحوّل في الهجمات المسلحة التي استهدفت تونس، وهو تحوّل يضع البلاد أمام تحديات عدة.

وعلى الرغم من أن البلاد شهدت عدّة هجمات دامية ضربت حتى قلب العاصمة، فإن هذا الهجوم يعتبر غير مسبوق وفقا لوصف الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي لعدة أسباب، منها أن المواجهات -التي تجددت صباح اليوم الثلاثاء- هي الأولى من نوعها التي يخوضها الجيش والأمن ضد جماعات مسلحة في معارك شوارع منذ تصاعد عمليات مكافحة "الإرهاب" قبل خمس سنوات.

كما اعتبر هذا الهجوم نوعيا لأن الهدف منه -بحسب السلطات- إقامة "ولاية" أو "إمارة" جديدة تابعة لتنظيم الدولة بعد السيطرة على المراكز السيادية في بنقردان، وهو ما يستحضر إلى الأذهان نماذج مماثلة في العراق وسوريا وليبيا المجاورة.

وهذا ما توضحه تفاصيل الهجوم التي تشير إلى أن المسلحين الذين استخدموا أسلحة رشاشة وقذائف "آر.بي.جي"، استهدفوا مقرين للحرس الوطني (الدرك) والأمن داخل المدينة وثكنة للجيش على أطرافها.

وفضلا عما سبق، فإن حصيلة القتلى التي بلغت 55 قتيلا بينهم 36 مسلحا وسبعة مدنيين و12 عنصرا لقوات الأمن، تعد الأثقل مقارنة بمواجهات سابقة.

video

خطة تصاعدية
واعتبر الكاتب والمحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي أن هذا الهجوم يندرج ضمن خطة تصاعدية تعتمدها التنظيمات المسلحة "الإرهابية" سواء التابعة لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة.

وأوضح الجورشي في تصريحات للجزيرة نت أن هذا الهجوم يمثّل درجة عالية من درجات هذه الخطة، حيث كان الهدف منه تحقيق ما تسميه هذه الجماعات في أدبياتها "تحرير" منطقة بنقردان وتحويلها إلى "إمارة" مرتبطة "عضويا وسياسيا" بتنظيم الدولة في ليبيا.

وبحسبه فإن ما حصل لن يكون المحاولة الأخيرة رغم الخسارة الكبيرة التي تكبدها مسلحو التنظيم، مشيرا إلى أن عمليات أخرى قد تتبع هذا الهجوم وقد تكون أكثر عُدّة وتخطيطا.

المحلل السياسي يرى أن ما يجعل الدولة التونسية هدفا لهذه التنظيمات، هو نية تغيير النظام السياسي والنمط الاجتماعي لاعتبار البلاد هشة وقابلة -حسب التنظيمات- للسقوط، وهو أمر سيتضح أكثر إذا توسعت هذه الجماعات المسلحة داخل التراب الليبي.

جثة أحد قتلى المواجهات التي دارت في بنقردان أمس (أسوشيتد برس)

استعداد وجاهزية
ورغم تأكيد السلطات التونسية استعدادها لمجابهة خطر المسلحين، خاصة بعد تضييق الخناق على عناصر تنظيم الدولة في ليبيا، فإن ما حدث كان متوقعا ولكن ليس بهذا الحجم، حسب الرئيس التونسي.

ويطرح ما حدث أسئلة بشأن مدى جاهزية القوات الأمنية التونسية لمجابهة مثل هذه الهجمات.

وفي هذا السياق، قال الخبير الأمني يسرى الدالي إنه رغم القصور الاستخباراتي فإن القوات التونسية حققت نجاحا لا ينكر بتمكنها من صد الهجوم المباغت.

وأشار الدالي للجزيرة نت إلى أن العناصر المسلحة تكبدت عشرات القتلى رغم اعتمادها المباغتة والمفاجأة، مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة أن تكون القوات التونسية أكثر جاهزية وتدريبا، خاصة في ظل تزايد التهديدات والمخاطر.

وبحسب الخبير الأمني فإن الغارة الأميركية الأخيرة التي استهدفت مسلحين لتنظيم الدولة في مدينة صبراتة الليبية "سرّعت" الأحداث في بنقردان، محذّرا من تداعيات سلبية قد تطال تونس من أي تدخل أجنبي محتمل في ليبيا.

وفي الوقت الذي لم يعرف فيه بعد إن كان منفذو الهجوم خلايا نائمة أم أنهم تسللوا حديثا من ليبيا، فإن ما أدلى به رئيس الحكومة الحبيب الصيد يؤكد أن أغلب المهاجمين تونسيون، إضافة إلى بعض العناصر الأجنبية.

من جهتهم اعتبر كثير من سكان بنقردان أن تمكّن المسلحين من التحرك بسهولة في المدينة دليل على أنهم من أبناء المنطقة، وهو ما عبر عنه أحد الأهالي بقوله "أغلب من كانوا هنا هم من المنطقة لأنهم يعرفون الأماكن وعرفوا أين يتمركزون".

شرطي تونسي أثناء مواجهات يوم أمس في بنقردان (الأوروبية)

مخاوف وتساؤلات
وتثير مثل هذه الهجمات المخاوف من عودة آلاف المقاتلين التونسيين إلى بلادهم، كما أنها تدفع للتساؤل عن أسباب انضمامهم إلى مثل هذه الجماعات واستعدادهم لتنفيذ هجمات داخل بلادهم وحتى مدنهم.

وفي هذا السياق يقول الباحث في مركز الدراسات والبحوث بوحدة الإرهاب والتهريب التابعة لوزارة التعليم العالي التونسية سامي براهم إن "الظاهرة الإرهابية ظاهرة سببية"، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة في تونس نتاج لسنوات من التصحير الثقافي والاجتماعي.

وبيّن براهم في حديث للجزيرة نت أن المنتمين إلى التنظيمات "الجهادية" انقطع إحساسهم بالانتماء إلى تونس، فوجدوا في هذه المجموعات إطارا لتعبئة طاقتهم على الفعل.

وأوضح أن 52% من الشباب التونسي ينتمون إلى المناطق المهمشة اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، لافتا إلى أن خريطة المناطق التي ينتشر فيها "الإرهاب في تونس تطابق خريطة المناطق المهمشة التي أهملتها الدولة والنخبة والمجتمع المدني".

وختم براهم بالتحذير من أن فئات من الشباب التونسي لديها القابلية للانخراط في الجماعات المسلحة التي تقدّم لهم ما لم تقدّمه الدولة من خدمات بسيطة ومهمة.

المصدر : الجزيرة