ظل الترابي شخصية مثيرة للجدل وتعرض للاعتقال مرات عدة في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري وفي عهد حليفه عمر البشير، وأنشأ عدة تنظيمات، واستطاع نقل حركته عبر أطروحاته من مستويات النخبة المحدودة إلى الجماهيرية، حسبما يرى مؤيدوه.

محمد طه البشير

لم تمهل الأيام المفكر السوداني الدكتور حسن الترابي حتى يرى مشروعه "النظام الخالف" الذي طرحه في الحوار الوطني الذي يجري حاليا لحل مشكلات السودان، وهو مصطلح أثار الكثير من الجدل مثل ذلك الذي صاحب قانون التوالي السياسي في تسعينيات القرن الماضي.

لم يخرج تعريف المصطلح الجديد عن توحيد أحزاب وتيارات في كيان كبير، وقد تكفلت ورقة أصدرها حزب المؤتمر الشعبي بتوضيح المشروع وأهدافه، ولكن اللغط استمر حول مدلولاته، ورأى البعض أنه من قبيل العبارات التي درج الترابي على أن يرفد بها الوسط السياسي والإعلامي ويستغرق الناس وقتا لفك رموزها.

فالترابي دائما ما يحيط أطروحاته بهالة إعلامية ليتحمس الناس إليها، وهو بهذا المصطلح يريد شد انتباه المشككين والمقاطعين للحوار بطرحه خلافة النظام الحالي بقيادة عمر البشير والذي ساهم هو في قيامه وخرج منه قبل 15 عاما لكنه عاد إلى الحلفاء القدامى "محاورا" كما قال.

عندما دخل الترابي غمار السياسة في الستينيات كانت الطائفة هي التي تشكل الحياة السياسية في السودان، وكانت قيادات الختمية والأنصار هي الأكثر تأثيرا على مجريات الأحداث بالبلاد. وكان لزاما على القوى الحديثة التي ولجت الساحة السياسية ممثلة في الإخوان المسلمين والحزب الشيوعي أن تطرح نفسها بقوة حتى تجد لنفسها موقعا في الساحة "المتجذرة صوفيا".

لهذا كان الترابي يحافظ دائما على وجوده على سطح الأحداث، فقد كان عنوانا عريضا في ثورة أكتوبر التي أطاحت بحكم الفريق عبود عام 1964، وكذلك في المصالحة مع نظام مايو عام 1977.

وظل الزعيم الإسلامي شخصية مثيرة للجدل، وتعرض للاعتقال مرات عدة في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري وفي عهد حليفه عمر البشير، وأنشأ عدة تنظيمات بدءا من جبهة الميثاق مرورا بالجبهة القومية الإسلامية ثم المؤتمر الوطني وأخيرا المؤتمر الشعبي، واستطاع نقل حركته عبر أطروحاته من مستويات النخبة المحدودة إلى الجماهيرية، حسبما يرى مؤيدوه.

تذويب تيارات
يقوم النظام الخالف -بحسب الورقة الصادرة عن المؤتمر الشعبي- على تذويب التيارات الإسلامية في حزب واحد، وهو بالتالي شراكة سياسية جديدة تضم الإسلاميين بطوائفهم المختلفة، بمن فيهم ذوو الخلفيات الإسلامية كالسلفيين والتيارات الصوفية والأحزاب الطائفية.

وأقرّت الورقة أن يخلف الحزب الجديد الأحزاب الإسلامية القائمة، بما فيها المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني الذي رهنت الورقة حلّه بقيام الحزب الجديد وفي ظل نظام ديمقراطي.

ويقول الكاتب أسامة جمعة الأشقر إن الترابي توصل إلى حقيقة أن الحركات الإسلامية في مجموعها لا تستطيع منفردة أن تُقدّم أنموذجا للإسلام، ورأى أن على كل الجماعات الإسلامية أن تذوب في منظومة واحدة هي منظومة القيم.

ويعيد النظام الخالف مصطلح التوالي السياسي الذي طرحه الترابي عام 1998 بعد تسع سنوات من نظام الإنقاذ للانتقال "من الشرعية الثورية إلى دولة المؤسسات"، ليشغل الساحة الإعلامية والسياسية ويصير حديث الناس ردحا من الزمن آنذاك.

ونص دستور السودان لعام 1998 على "حرية التوالي والتنظيم لأغراض ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية أو مهنية أو نقابية لا تقيد إلا وفق القانون. ويكفل للمواطنين الحق في تنظيم التوالي السياسي ولا يقيد إلا شرط الشورى والديمقراطية في قيادة التنظيم واستعمال الدعوة لا القوة المادية في المنافسة والالتزام بثوابت الدستور كما ينظم ذلك القانون".

لكن خصوم الترابي اعتبروا أنه قصد من مصطلح التوالي التحايل لمنع النص على وجود الأحزاب في دستور 1998، على الرغم من أن المصطلح قديم عنده واستخدمه في كتبه وإصداراته منذ عام 1973، وهو الأصل ذاته الذي استعمله اللبنانيون بغير كثير حرج وهم يقسمون ساحتهم السياسية إلى موالاة ومعارضة، كما يقول القيادي الإسلامي وأحد تلاميذ الترابي المحبوب عبد السلام.

وقد تم تسجيل عشرات الأحزاب في السودان وفقا لقانون التوالي السياسي عرفت بالأحزاب المسجلة، ويمكن القول إن هذا النظام ما زال مستمرا حتى الآن مع تعديلات طفيفة.

ويرى الكتاب الفلسطيني أسامة جمعة الأشقر أن الترابي يمثل أنموذجا خاصا جمع بشكل نادر في تاريخ الحركات الإسلامية بين الرؤية والتجريب، والتخطيط والتنفيذ، وهو أمر نادر في المدارس الفكرية أن يكون لها تجربة تستند إليها في التحقق من صوابية تنظيرها ومراجعة التصورات.

لكن رئيس برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا عبد الوهاب الأفندي يرى أن ممارسات الترابي السياسية كادت أن تقضي على مساهماته الفكرية، فقد كانت له رؤية تجديدية، لكن كان هناك تناقض بين الفكر والعمل، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة