تتعاظم بمصر الفجوة بين ما تظهره السياسات الاقتصادية وأحوال الشعب المعيشية التي تدنت مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية بشكل غير مسبوق، في ذات الوقت الذي بات فيه مطالبا بدعم سياسات المسؤولين بتقليل النفقات والتبرع ولو بجنيه يوميا.

عبد الرحمن محمد-القاهرة

"صبَّح على مصر بطبق سلطة" هكذا علق الناشط الحقوقي المصري جمال عيد ساخرا على ما تناقلته وسائل إعلام محلية عن قيام محافظ الإسكندرية منذ أيام بدعوة وزير الثقافة ومرافقيه إلى وجبة أكلات بحرية بقيمة أربعين ألف جنيه ( نحو 4.8 آلاف دولار).

البذخ الذي عكس ازدواجية المسؤولين في هذه الحالة لم يكن الأول من نوعه، وبات الأمر مألوفا بين الفينة والأخرى، فلم يكد يكمل مجلس النواب شهره الأول حتى طلب أعضاؤه اعتماد زيادات غير مسبوقة لمرتباتهم، كما أثارت السجادة الحمراء التي سار عليها موكب سيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مناسبة دعا فيها الشعب للتقشف، استهجانا واسعا.

وتزداد الفجوة بين ما تظهره سياسات مسؤولي النظام الاقتصادية والأحوال المعيشية للشعب التي تدنت مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل غير مسبوق، في ذات الوقت الذي بات فيه مطالبا بدعم سياسات المسؤولين تلك بتقليل النفقات والتبرع ولو بجنيه يوميا.

حالة الغضب والرفض الواسعة لهذه السياسات عبر عنها رأفت جمعة (محاسب) بقوله إن "الحكومة تمص دم الغلابة.. وليس من المنطقي أن يطالبنا الرئيس بالتبرع بجنيه يوميا حتى يتمتع رجاله بأكل السمك والجمبري!".

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن "استمرار ازدواجية المعايير بالضغط على البسطاء في ظل تزايد السفه والتبذير في الإنفاق الحكومي سيؤدي لا محالة إلى انفجار غير محمود العواقب".

اقتصاد حرب
وقد دفعت هذه الازدواجية وزير التموين والتضامن الأسبق جودة عبد الخالق والمؤيد للنظام الحالي إلى التحذير في تصريحات صحفية مؤخرا من "البذخ الحكومي" المتزايد والمطالبة بالحد منه، وانتهاج شكل من أشكال "اقتصاد الحرب" لتجاوز الأزمة في البلاد.

المنير: النظام الحالي يعتبر جميع ثروات البلاد والعباد ملكا خالصا له (الجزيرة)

رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات والتنمية ممدوح المنير رأى أن "هذه الممارسات طبيعية كونها صادرة عن نظام ديكتاتوري يتعامل مع أفراد الشعب على أنهم عبيد إحسان".

وقال المنير في حديثه للجزيرة نت إن "النظام الحالي يعتبر أن جميع ثروات البلاد والعباد ملكا خالصا له، من حقه أن يتعامل معها كيفما يرى ويشاء، بينما على الشعب أن يتحمل ويقدم فقط، وقد كانت الشيوعية الروسية المقيتة في الماضي أبرز مثال صارخ على هذا".

ولفت في ذات الوقت إلى أن "انتشار مواقع التواصل الاجتماعي جعل من السهل اكتشاف الزيف والكذب والخداع الذي ربما يستمر بعض الوقت لكن ليس على الدوام، حيث ستنكشف الحقائق لا محالة" مضيفا "بطبيعة الحال سينجح الإعلام مؤقتا مع بعض الفئات التي لديها استعداد للتصديق والانخداع".

ورأى المنير أن ذلك يدفع إلى ضرورة إدراك قيمة الوعي لدى الشرائح الشعبية و"تحصين عقول المصريين من القصف الإعلامي المدمر الذي يمارسه النظام، وهذا لن يتحقق سوى بتسليط الضوء على هذه الازدواجية لدى الطبقات المطحونة من الشعب".

سياسة التسول
في السياق ذاته، رأى وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى السابق عز الدين الكومي أن "نظام السيسي اعتمد مع الشعب المصري سياسة التسول بالإجبار منذ تصريح (هـ تدفع يعني هـ تدفع)".

العزباوي اعتبر أن اتهام النظام يعتمد على المبالغة والتهويل دون الاستناد لحقائق (الجزيرة)

وتابع في حديثه للجزيرة نت "في الوقت الذي يسعى فيه النظام الانقلابي للتسول من الشعب ومطالبته بالتصبيح على مصر بجنيه، قام برفع رواتب الجهات الداعمة له من جيش وشرطة وقضاء، كما تسبب بحماقاته في تغريم مصر مبالغ طائلة كتعويضات لجرائمه وإهماله، وغض الطرف عن رجال الأعمال المتهربين من الضرائب".

واعتبر الكومي أن هذه السياسة المتبعة من النظام "لن تجد أي تجاوب أو دعم من قبل المواطنين، بدليل عدم رصد أي تبرعات مستجيبة لتلك الدعوات".

في المقابل، أكد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية يسري العزباوي أن اتهام النظام بالسفه والبذخ في الإنفاق يعتمد بشكل كبير على "المبالغة والتهويل" دون الاستناد لحقائق واقعية وملموسة.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن "حالات كقصة وجبة محافظ الاسكندرية التي كلفت أربعين ألف جنيه ليس لها مصدر موثوق ولم تثبت، كما أنه ليس من المنطقي انتقاد مظاهر بروتوكولية موجودة في كل البلاد كفرش السجاد الأحمر".

المصدر : الجزيرة