بالرغم من كونهم هدفا دائما للعدوان الإسرائيلي، فإن مزارعي غزة دأبوا على استصلاح أراضيهم وتأكيد صمودهم فيها والتصاقم بها، وبينما نظمت مظاهرات عديدة تخليدا ليوم الأرض، فهؤلاء يجسدون أن الأيام كلها للحرث والغرس وتجديد عقيدة البقاء وتحدي الاحتلال.

محمد عمران-غزة

انحناء ظهر حمد الدحدوح واقتراب جسده من الأرض لم يكفياه ليشبع حبه لترابها، فما زال يعمل بها جاثيا على ركبتيه، ليس حرصاً على زراعتها فحسب، بل لتأكيد الالتصاق بها أيضا.

لم يمنعه عمره الذي ناهز 87 عاما، وضعف قدرته على المشي والتنقل من الوصول إلى أرضه التي تبعد نحو مئتي متر عن حدود وسط القطاع مع الاحتلال.

ورغم سكنه مع ابنه الأكبر بمدينة غزة، فإن الدحدوح يصر على الذهاب للحرث، ولا يهدأ روعه إلا بغرس أصابع يديه في أرضه.

تجريف الاحتلال للأرض عدة مرات لم يفت في عضد حمد، حيث أعاد إصلاح البئر المدمرة وتسوية الأرض وزراعة جزء من الـ17 دونماً التي يمتلكها بالأشجار والقمح والشعير، مع حسرة لا تفارقه على تجريف أشجار الزيتون والحمضيات التي تجاوز عمرها عدة عقود.

بيد أن هذه الحسرة لم تتسلل إلى يقينه بقدسية الأرض واعتبار الحفاظ عليها جزءاً من الدين.

العبارات القليلة التي تحدث بها الدحدوح للجزيرة نت تؤكد أنه يتمنى أن يظل يغرس أرضه، وأن يموت فيها لا على فراشه، "وعلى ترابها أستشعر السجود والركوع".

في غمرة البوح بالمشاعر تجاه الأرض والحرث والغرس، ذرفت عينا المعمر الفلسطيني وأنشد أبيات الشاعر المصري محمود محمد صادق:

بلادي بلادي فداك دمي/ وهبت حياتي فدى فاسلمي

غرامك أول ما في الفؤاد/ ونجواك آخر ما في فمي

 سأهتف باسمك ما قد حييت/ تعيش بلادي ويحيا الوطن.

 خميني قديح يسكن مع صغاره في أرضه الزراعية القريبة من تواجد الاحتلال (الجزيرة)

تحدي الخوف
وإذا كان المسن الدحدوح يحتفي بذكرى يوم الأرض بالحزن على ما جُرف ودُمر، وبالفرح تارة أخرى لقدرته على فلاحة أرضه وتعميرها من جديد، فإن الثلاثيني خميني قديح لا يقل حرصاً على الصمود في أرضه القريبة من الحدود ببلدة عبسان (جنوب القطاع).

يقول قديح إن الأبراج العسكرية الإسرائيلية القريبة لم ترهبه، ولم تجبره على ترك أرضه.

يصمد هذا الشاب في أرضه بالرغم من خوفه على صغاره الأربعة من رصاص جنود الاحتلال الذي يدفعه أحيانا إلى مغادرة الكوخ الذي يسكن فيه بعد تدمير منزله أثناء حرب غزة الأخيرة.

ويصر قديح على إعادة إعمار منزله في المكان نفسه، رغم احتمالية هدمه كما حدث في حروب سابقة.

يفخر الشاب الفلسطيني بموقع سكنه على الحدود، رغم يقينه بقلق أقاربه وأصدقائه عليه لخطورة المكان، لكنه يصف نفسه وأمثاله بمقاومين أنداد للاحتلال بسلاحهم الوحيد، وهو إعادة الحياة للأرض.

أبو سعيد: لا مكان للشعارات دون إنجازات ولا مقارنة بين من يتظاهرون ومن يزرعون (الجزيرة)

صمود المزارعين
ويقول للجزيرة نت إنه لم يحص عدد المرات التي جرف فيها الاحتلال أرضه أو دمّر منزله، لكنه لم يتردد في زراعة الأرض وإعمار المنزل من جديد، مضيفاً أنه عوّد أطفاله على سماع أصوات الرصاص ومشاهدة الآليات العسكرية لجيش الاحتلال دون خوف.

وبينما يدرك قديح أهمية المسيرات والمهرجانات لإحياء ذكرى يوم الأرض، يدعو لجعل هذه المناسبة الوطنية وسيلة لدعم صمود أصحاب الأراضي الحدودية ومساعدتهم على البقاء فيها وإعمارها.

وعلى خط الحدود ذاته، يقدم المزارع على أبو سعيد تجربة متشابهة من الصمود ككثيرين من أقرانه، حيث محا آثار الدمار والخراب بعد الحرب الأخيرة، وحوّل قطعة الأرض التي تمتلكها عائلته إلى لوحة متكاملة من الإنجاز، عبر زراعتها بأشتال جديدة، وإنشاء مزارع للدجاج وحظائر  للمواشي، وحفر بئر ماء، وغيرها.

أبو سعيد -الذي يرأس جمعية تعاونية زراعية- يعزو قدرة المزارعين بالمناطق الحدودية على تجاوز مرحلة الدمار إلى إحساسهم بأدائهم عملا وطنيا ليقفوا عقبة كأداء أمام الاحتلال الذي يعمد إلى حرمانهم من زراعة الأراضي القريبة من السياج الفاصل.

ويصف للجزيرة نت أن يوم الأرض هو يوم ثبات الفلسطينيين بأراضيهم، وأنه "لا مكان للشعارات دون إنجازات، ولا يمكن مقارنة من يقودون المظاهرات بمن يعمرون أراضيهم".

المصدر : الجزيرة