في توقيت واحد وفي مكانين مختلفين، تستعرض كل من الأغلبية والمعارضة بالجزائر عضلاتها اليوم الأربعاء مما يعكس حالة الاستقطاب الحزبي، رغم نفور الشارع من السياسة وسط ضيق المواطنين من الغلاء وتبعات انهيار أسعار النفط.

ففي ندوة "مزفران 2" بمدينة زرالدة غربي العاصمة الجزائر، تحتشد الأحزاب المنضوية تحت هيئة التنسيق والمشاورة والتي تضم لفيفا من الأحزاب الوطنية والديمقراطية والإسلامية المعارضة في تحالف أنشئ عام 2013، للمطالبة بالانتقال السلمي السلس للسلطة.

وتحصي إدارة الندوة مشاركة 20 حزبا سياسيا معتمدا و12 حزبا قيد التأسيس، إلى جانب ستة رؤساء حكومات سابقين، وعدد كبير من الإعلاميين والنشطاء السياسيين والحقوقيين والنقابيين.

وسيناقش المشاركون على مدى يوم كامل وثيقة الإعلان السياسي التي أعدها خبراء وسياسيون معارضون، بناء على "وثيقة مزفران 1" التي تم التوصل إليها في مؤتمر "مزفران 1" الذي جمع المعارضة في يونيو/حزيران 2014.

التحول الديمقراطي
ونصت الوثيقة على "ضرورة إحداث التحول الديمقراطي في البلاد، وإنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات، والفصل بين السلطات، وتحرير القضاء".

وتقول المعارضة إن السلطة تجاهلت المطالب السابقة بدستور أقره الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عبر تصويت البرلمان دون استفتاء شعبي يوم 7 فبراير/شباط الماضي.

وتثار تساؤلات حول غياب بعض التكتلات السياسية المعارضة المتواجدة خارج الجزائر وعدم توجيه الدعوة لها على غرار حركتي "رشاد" و"رفض".

ورغم أن عضو "جبهة رفض" رشيد عوين المقيم في بريطانيا أكد للجزيرة نت أن عدم دعوة الجبهة للمشاركة في ندوة "مزفران 2" جاء بناء على موقف الجبهة المقاطع لمؤتمر "مزفران 1".

جانب من تجمع لأحزاب المعارضة الجزائرية عام 2014 (الجزيرة)

ويرى البعض أن المعارضة في الداخل تتحاشى حضور معارضة الخارج تجنبا لتهم جاهزة أهمها "الاستقواء بالخارج".

لكن عوين أكد أن جبهة "رفض" لها إستراتيجية خاصة تتمثل في الضغط الميداني السلمي والدعوة للانسحاب من المؤسسات المنتخبة غير الشرعية"، لأن مشاركة المعارضة في السلطة برأيه "تزيد من عمر النظام غير الشرعي".

حشد الموالاة
وفي القاعة البيضاوية في العاصمة الجزائرية يحتشد نحو 36 حزبا مواليا للسلطة رفقة الجمعيات والمنظمات الأهلية والحكومية، وذلك بدعوة من حزب جبهة التحرير الوطني صاحب الأغلبية والداعم الأول للرئيس بوتفليقة.

ويقول الناطق الرسمي للحزب حسين خلدون إن عدد الكيانات المشاركة في التظاهرة يتجاوز 1850.

وفي حديث للجزيرة نت، قال خلدون إن هذه المبادرة تهدف إلى "تجديد الولاء للرئيس بوتفليقة وبرنامجه، وتمتين الوحدة الوطنية، ونصرة الجيش الجزائري الذي تواجهه تحديات كبيرة عبر الحدود الجنوبية للبلاد".

لكن من اللافت غياب حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو ثاني أقوى أحزاب السلطة عن هذه التظاهرة.

غياب هذا الحزب الذي يرأس أمانته العامة مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى أثار جدلا واسعا، وربطه البعض بوجود صراع خفي بين زعيم حزب الأغلبية عمار سعداني وأويحيى حول خلافة الرئيس بوتفليقة.

وخلال نزوله ضيفا على الإذاعة الحكومية أمس الثلاثاء، شن سعداني هجوما عنيفا على أويحيى بسبب مقاطعته لهذا التجمع، واتهمه بعدم الولاء للرئيس وبالسعي لكرسي الرئاسة.

لكن خلدون قلل من غياب أويحيى عن لقاء الموالاة، لأن هذا الموقف برأيه "موقف شخصي ولا يعبر عن قناعة مناضلي الحزب" الذين عبّر الكثير منهم -على حد قوله- "بالحضور والمشاركة في التجمع الذي سيحضره حسب تقديراته أكثر من 22 ألف مشارك".

وتعكس إقامة التجمعين في توقيت واحد برأي مراقبين حالة الاستقطاب السياسي الحاد بين المعسكرين. وتتهم المعارضة الموالاة بمحاولة التشويش على تجمعها.

تجاهل شعبي
وعلى المستوى الشعبي يسجل تجاهل واضح لتحركات الطبقة السياسية بمختلف تشكلاتها، فالمواطن الجزائري لا تشغله سوى أخبار ارتفاع الأسعار، وتراجع أسعار النفط في السوق العالمية.

ويؤكد المدون ياسين اعمران أن السمة المشتركة لهذا الحراك السياسي هي تغييب الشارع الجزائري من الخطاب الحزبي.

 وبرأيه فإن "وثيقة مزفران" اتسمت بالنخبوية، وكأن الشعب الجزائري غير معني بها. وشدد في حديث للجزيرة نت على وجود حالة شلل اجتماعي على المستوى السياسي والمدني، وهو أمر ربطه بسياسات طويلة انتهجتها السلطة من خلال الاستثمار في المعاناة الاجتماعية لتحويل الجزائري إلى فرد سلبي للغاية.

والسمة الأخرى في هذا الحراك -حسب رأيه- هي "غياب الثقة بين الأحزاب والجزائريين، فالسلطة نجحت في تلطيخ كل الأحزاب المعارضة التي جذبتها إلى فلكها".

المصدر : الجزيرة