أكثر من ثلاثين سنة من المناوشات والقتال بين منطقة جبل محسن العلوية وباب التبانة السنية, مئات الضحايا والمعوقين ودمار أنبت جواً من البؤس والفقر. واليوم يعمل شباب من المنطقتين على القيام بأنشطة مشتركة علّها تعيد الحياة إلى ما قبل الثمانينيات.

أسامة العويد-طرابلس /لبنان

في ثمانينيات القرن الماضي، أحب الشاب علي من حي التبانة السني بمدينة طرابلس اللبنانية شابة من حي جبل محسن العلوي تدعى جمانة، وهي قريبة لأحد قياديي منطقة جبل محسن.

ويقرر الاثنان الزواج مطلع عام 1981, لكن اندلاع جولة قتال جديدة بين الحيين أنهت قصة الحب بالقوة, فاضطر العاشقان للهروب لمنطقة عكار حيث عقدا قرانهما سرا وتزوجا وأنجبا ثلاثة أطفال.

ويقول رامي الابن الأكبر لهذا الثنائي للجزيرة نت "كانت المعركة دامية وأصبح أبي وأمي مطلوبين للحزب العربي الديمقراطي حتى قبض على والدي عام 1986, ليتم سجنه في سوريا، وتجبر أمي على الطلاق لتعود وتسكن في جبل محسن وتهاجر بعدها مع أخوالي إلى سوريا".

ويضيف الابن "تربينا مع جدتي في التبانة, وبعد سنوات خرج أبي من السجن معاقاً بسبب التعذيب, وحتى اليوم نعيش مأساة الحرب بين المنطقتين اللتين خرج منهما السياسيون أبطالا ودفع ثمنها أمثالنا".

أدراج السلام
واليوم وبعد توقف المعارك، يشرف الشابان محمد البعريني وبرهان عجم على مشروع أدراج السلام في طرابلس، وهو إعادة تأهيل الأدراج القديمة الفاصلة بين منطقتين عاشتا فترة طويلة من النزاع المسلح.

شباب من منطقتي جبل محسن وباب التبانة بطرابلس (الجزيرة)

ويرى البعريني في حديث للجزيرة نت أن "هذه الأدراج الملونة رسالة لنبني البسمة والأمل لكل من يسكن هنا, ننشر الألوان علّها تكون راحة نفسية ومسألة معنوية لكل الأبناء, وسنقوم قريباً بإضاءة هذه الأدراج, التي لطالما نقل عليها العتاد والرصاص".

وبالإضافة إلى أدراج السلام، يشرف الشابان خضر مخيبر من باب التبانة وعلي أمون من جبل محسن على مشروع لجمعية "ماتش" بإشراف بلدية طرابلس، هو عبارة عن "مقهى يمضي به شبان سهراتهم لتناسي أيام الحرب".

ويقول رئيس جمعية لبنان المحبة سليمان صافي الذي شارك افتتاح المقهى "نحن نذكر الماضي حتى نعيش الحاضر.. أنت لا تسطيع أن تنهي حربا قائمة بين منطقتين, ولكن يمكنك القيام بمساحة تقارب لتخفيف حدة النزاع وإيجاد مساحات وصداقات مشتركة".

مقهى بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة بطرابلس (الجزيرة)

أما عضو مجلس بلدية طرابلس ليلى شحود، فترى أن دعم البلدية لمثل هذه الأنشطة بهدف "تمتين الأواصر الاجتماعية وإبراز وجه طرابلس الإيجابي والحضاري، وقد لا يتجلى ذلك بدعم مادي، بل بدعم لوجستي أو معنوي".

وتضيف في حديث للجزيرة نت أن "الشباب المتطوع يبرز الدور المتألق والمميز الذي يلعبه من خلال إيجاد مساحات تلاقٍ كان آخرها إنشاء مقهى للتواصل الاجتماعي في شارع سوريا-التبانة والذي يشكل صلة وصل بين أهالي المنطقتين".

ودعت شحود إلى ضرورة العمل على إيجاد عناصر استقرار اجتماعي تتمثل في تنمية مستدامة, وبالنهوض بالاقتصاد وتوفير فرص عمل، وشروط حياة أفضل للأهالي في مدينة طرابلس.

المصدر : الجزيرة