رغم أن الدستور الذي تم إقراره عقب الانقلاب العسكري بمصر ينص على عدم جواز إعفاء رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، فإن الرئيس المصري أعطى لنفسه الحق بإعفاء هشام جنينة الذي كشف عن ملفات عديدة في الفساد بشكل عام في البلاد.

عبد الرحمن محمد-القاهرة

لم تكد تمر ساعات على قرار المجلس الأعلى للقضاء في مصر عزل 32 قاضيا متهمين بتأييد الرئيس المعزول محمد مرسي، حتى أطاح الرئيس (الحالي) عبد الفتاح السيسي برئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة.

ونقل التلفزيون الرسمي ووسائل إعلام مصرية نبأ إعفاء جنينة من منصبه بعد استدعائه للتحقيق في تصريحات أدلى بها حول حجم الفساد في البلاد العام الماضي.

جنينة الذي عُين رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات إبان عهد مرسي، نال قدرا واسعا من الهجوم منذ كشفه للعديد من ملفات الفساد بالدولة، كان أبرزها تأكيده أن "الفساد في وزارة الداخلية بالمليارات" وتصريحاته بأن "حجم فاتورة الفساد في الدولة وصل عام 2015 إلى ستمئة مليار جنيه".

ورغم أن الدستور الذي تم إقراره عقب الانقلاب العسكري ينص على عدم جواز إعفاء رئيس الجهاز من منصبه، فإن السيسي أصدر قرارا بقانون يجيز فيه لنفسه إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، واعتبره مراقبون حينها تمهيدا لإقصاء جنينة من منصبه.

عدد من القضاة الذين صدر قرار بعزل بعضهم أمس الاثنين (الجزيرة نت)

نظام "فاسد"
وفي هذا السياق، يقول وزير العدل الأسبق أحمد سليمان إن "النظام الحالي فاسد يحمي الفسدة ويحارب كل من يحاربهم، لذلك كان لابد أن يتخلص من المستشار جنينة الذي فضح الفساد وكشف رموزه".

ورأى في حديثه للجزيرة نت أن "هذا الإجراء جاء في هذا التوقيت لصرف الأنظار عن مذبحة القضاة التي تمت صباح ذات اليوم" مضيفا "لا يمكن تصور عزل قضاة طالبوا باحترام إرادة الأمة، في الوقت الذي يستمر فيه قضاة متهمون بالرشوة والتدخل في القضايا وتزوير الانتخابات".

ووافق المستشار حسن ياسين (أحد القضاة المعزولين صباح الاثنين) سليمان في الربط بين إعفاء جنينة وقرار عزل القضاة، مضيفا "النظام الحالي امتداد لنظام (الرئيس المخلوع) حسني مبارك، وهو بهذه القرارات يكشف عن وجهه القبيح بلا حياء، وهدفه إخلاء القضاء والأجهزة الرقابية من الشرفاء ورفع شأن الفاسدين".

وأضاف للجزيرة نت أن "النظام يسعى إلى السيطرة على القضاة بتخويفهم على قوتهم وقوت عيالهم، وما حدث معنا هو عقاب على مواقف بدأت منذ وقفاتنا لاستقلال القضاء عامي 2005 و2006".

وزير العدل الأسبق أحمد سليمان: الإجراء جاء لصرف الأنظار عن مذبحة القضاة التي تمت صباح ذات اليوم (الجزيرة)

إهانة للدستور
بدوره، قال رئيس البرلمان المصري المنعقد في إسطنبول جمال حشمت إن "القرار يتماشى مع منطق التفرد والاستبداد الذي يمارسه قائد الانقلاب وإهانة لدستور وضعوه لأنفسهم".

وتابع للجزيرة نت أن العزل يؤكد أن حجم الفساد الذي أغرق مصر يتحمل مسؤوليته السيسي وحكوماته التي اختارها، مدللا على ذلك بتعيين هشام بدوي المحامي العام السابق لنيابات أمن الدولة والمسؤول عن تلفيق التهم وحبس المعارضين لعشرات السنين، وفق تعبيره.

واعتبر حشمت أن هذه السيطرة الأمنية تعني أن أبواب الفساد قد فتحت على أوسع نطاق بل وتم تأمينها من أي رصد أو محاسبة أو ملاحقة.

في ذات السياق، قال البرلماني السابق ثروت نافع إن "هشام جنينة أحد قضاة حركة الاستقلال أيام مبارك، وهو معروف بنزاهته وإخلاصه، ومثله لا مكان له في منظومة الفساد الحالي".

حسن ياسين: النظام الحالي هدفه إخلاء القضاء والأجهزة الرقابية من الشرفاء (الجزيرة)

مخالفة دستورية
واعتبر نافع -في حديثه للجزيرة نت- أن عزل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات مخالفه دستورية "لكن في دولة تصدر قرارات بقوانين وتمنحها صفة التشريع، استطاع السيسي أن يمهد للقرار بإصدار قانون يخالف الدستور ويمنحه حق عزل رؤساء الهيئات الرقابية".

ورأى أن القرار "استمرار لمنظومة فاسدة قامت ضدها ثورة يناير في موجتها الأولى، وسنتخلص منها نهائيا في موجتها القادمة".

أما رئيس تحرير صحيفة المشهد مجدي شندي، فقد رأى أن القرار تم على خلفية توتر مزمن بين رئاسة الجمهورية ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات.

وتابع للجزيرة نت "هذا الخلاف فاقمته تقارير عن عدم انسجام تصريحات المستشار جنينة مع الاتجاه العام لبث رسائل طمأنة للداخل والخارج، فضلا عن جرأة جنينة وكشفه مخالفات في هيئات ووزارات تعودت على مدار عقود أن تغمض الجهات الرقابية عيونها عنها".

واعتبر أن القرار دليل على أن الحصانة التي تمتعت بها الأجهزة الرقابية خلال سنوات ذهبية بعد الثورة تبددت، متوقعا أن يزيد ذلك حالة الغضب المتنامي ضد السلطة.

المصدر : الجزيرة