المسيحيون في باكستان.. الأدنى مجتمعيا وسياسيا
آخر تحديث: 2016/3/28 الساعة 14:24 (مكة المكرمة) الموافق 1437/6/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/3/28 الساعة 14:24 (مكة المكرمة) الموافق 1437/6/20 هـ

المسيحيون في باكستان.. الأدنى مجتمعيا وسياسيا

مسيحيون باكستانيون في قداس عيد الميلاد بكراتشي (أسوشيتد برس-أرشيف)
مسيحيون باكستانيون في قداس عيد الميلاد بكراتشي (أسوشيتد برس-أرشيف)

هيثم ناصر-إسلام آباد

رغم حصوله على درجة الدبلوم في الإدارة منذ عشر سنوات لم يجد إسحق يوسف وظيفة مناسبة لتخصصه، مما دفعه منذ سبع سنوات للعمل في جمع القمامة وفرزها لبيعها.

ويؤكد إسحق أنه لم يكن ليعمل في مثل هذا المجال لو وجد أي فرصة عمل أخرى، ولكن ديانته المسيحية كانت العائق الأساسي أمام حصوله على وظيفة كعامل أو كبائع متجول، لأن المسلمين يفضلون عدم توظيف المسيحيين إلا في المهن الدنيا التي لا يرغب المسلمون في امتهانها.

منظمة مدنية للمسيحيين في باكستان (الجزيرة)

ويعيش إسحق مع أكثر من سبعة آلاف شخص في تجمع عشوائي وسط إسلام آباد بناه المسيحيون بشكل غير قانوني للإقامة في العاصمة. وبسبب عدم قانونية التجمع، لا توفر أمانة العاصمة لسكانه الخدمات الأساسية كخطوط المياه والغاز والطاقة الكهربائية، ولذا يحصل سكان التجمع على هذه الخدمات بطرق غير قانونية أيضا.

ويؤكد إسحق أن جيران التجمع سجلوا شكاوى عديدة على تجمع المسيحيين، مما دفع أمانة العاصمة إلى بناء سور حول التجمع يحوله إلى منطقة مغلقة تعيش على هامش المدينة.

حياة إسحق تمثل نموذجا لأوضاع آلاف المسيحيين الذين يشكلون ثاني أكبر أقلية دينية في البلاد بعد الهندوس، حيث تقدر نسبتهم بنحو 1.6% وتعدادهم بقرابة 2.8 مليون نسمة حسب إحصاء عام 2010.

يعيش في إسلام آباد وحدها قرابة عشرين ألف مسيحي في أحياء فقيرة عشوائية تمثل تجمعات للمسيحيين الذين يعملون في المهن الدنيا في المجتمع، كجمع القمامة وكنس الشوارع وصيانة أنابيب الصرف الصحي.

حي عشوائي للمسيحيين وسط إسلام آباد (الجزيرة)

ويعتبر الباحث في شؤون الأقلية المسيحية شميم محمود أن المجتمع الباكستاني المسلم لا يزال يعامل المسيحيين على أنهم "مواطنون من الدرجة الثانية"، لذلك يفضل عدم التعامل معهم اقتصاديا إلا في أضيق الحدود، كما لا يفضل توظيفهم أو الشراء من متاجرهم أو مطاعمهم أو تأجيرهم المنازل أو المحلات التجارية، وبذلك تبقى خيارات تطوير أوضاع المسيحيين اقتصاديا محدودة جدا.

ويذكر شميم في حديثه للجزيرة نت أن عدة مسيحيين حاولوا افتتاح محلات تجارية أو مطاعم في العاصمة، ولكن محلاتهم تعرضت للاعتداء أو المقاطعة لكون مالكها مسيحيا. فالقوانين تتيح للمسيحيين العمل في مختلف القطاعات التجارية منذ تأسيس باكستان، ولكن اجتماعيا لا ينظر غالبية الباكستانيين إلى المسيحيين على أنهم مواطنون في نفس البلد.

وقد زادت هذه النظرة السلبية بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان التي يعتبرها بعض علماء الدين الباكستانيين حربا صليبية ضد الإسلام، وبعد حوادث الإساءة للإسلام والسخرية من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في عدة دول أوروبية، "وهو ما يحاسب عليه المسيحيون في باكستان بتكريس عزلتهم ورفضهم مجتمعيا".

ويضيف شميم أن هذه الموجة من التحريض الديني على الكراهية خلال السنوات الأخيرة قادت إلى هجمات استهدفت كنائس وقيادات دينية مسيحية، مما دفع المتعلمين وذوي الخبرات والشباب المسيحيين إلى الهجرة من باكستان خوفا على حياتهم من التهديدات، وهربا إلى بلدان ترحب بهم ولا تميز ضدهم بسبب الدين، ولكن هذه الفئة محدودة جدا، إذ إن غالبية المسيحيين في باكستان لا يستطيعون الحصول على التعليم بسبب كلفته الباهظة. 

جمع القمامة وفرزها أهم مهن المسيحيين في المدن الكبرى (الجزيرة)

وتؤكد ماريا جورج التي تعمل خادمة في منزل لأسرة مسلمة أنه رغم عملها لعشر سنوات في هذا المنزل فإنها تتقاضى ثلاثين دولارا شهريا مقارنة بسبعين دولارا تحصل عليها الخادمة المسلمة في المنزل نفسه، وتعتقد بأن هذا "التمييز في الأجر بسبب ديانتها المسيحية".

كما تضطر ماريا إلى اصطحاب ابنتها ذات العشرة أعوام للعمل معها بعد الظهر مقابل عشرة دولارات شهريا للطفلة لتأمين جزء من المصاريف السنوية للمدرسة الحكومية التي التحقت بها، والتي ترجح والدتها أنها لن تتجاوز فيها مرحلة التعليم الأساسي لأن التعليم الثانوي مكلف، وعلى الابنة أن تعمل لمساعدة الأسرة في معيشتها. وغالبا ما يعجز الطلاب المسيحيون عن إكمال التعليم الثانوي بسبب ضيق ذات اليد، بحسب تقديرات مؤسسات مسيحية محلية.

ويرى رئيس حزب حركة توحيد المسيحيين في باكستان ألبرت ديفد أن عدم توحد المسيحيين الباكستانيين من أهم أسباب عدم اكتراث الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد لشؤونهم، فأحزابهم تفتقر إلى التنسيق والتعاون من أجل تحقيق وزن سياسي مؤثر في صناعة السياسات المتعلقة بهم، كالمساواة في الأجور أو وقف التمييز الاجتماعي وخطاب الكراهية ضدهم في المجتمع.

ويضيف ديفد للجزيرة نت أن الأحوال التي يعيشها المسيحيون في المجتمع الباكستاني هي نتاج تراكمات أخطاء كثيرة ارتكب المسيحيون أنفسهم كثيرا منها، عبر إهمال الاندماج في المجتمع، وغياب الحوار الديني والاجتماعي مع الأغلبية المسلمة، مشيرا إلى أن الصورة الاجتماعية للمسيحيين كطبقة دنيا في المجتمع تدفع بعضهم إلى إخفاء ديانته أمام المسلمين خشية التعرض للتمييز في التعامل.

المصدر : الجزيرة

التعليقات