لسنوات عديدة ظل التعايش سيد الموقف بين بلجيكا والإسلام، حيث اعترفت الدولة باكرا بالحنفية السمحة ومنحت أتباعها الحقوق المكفولة للمسيحيين واليهود وأسبغت رعايتها على المساجد، لكن التطرف بات يهدد بانفراط عقد التناغم بين الجانبين وسط تنامي الكراهية بأوروبا تجاه المهاجرين.

خالد شمت-برلين

تفجيرات الثلاثاء الماضي التي استهدف المطار ومحطات مترو الأنفاق بالعاصمة البلجيكية بروكسل سلطت الأضواء على علاقة تعايش إيجابي امتدت لعقود بين بلجيكا والإسلام.

وقد أثارت هجمات بروكسل مخاوف من تداعيات سلبية محتملة على أوضاع الأقلية المسلمة بهذه الدولة التي تعتبر واحدة من بلدان أوروبية قليلة اعترفت مبكرا بالدين الإسلامي رسميا ومنحته حقوقا مساوية للمسيحية واليهودية.

رئيس التجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين مصطفى التركي أدان تفجيرات بروكسل، ووصفها بأنها جرائم إرهاب أعمى استهدف الأبرياء وقتل النفوس المعصومة وروع الآمنين.

وفي حديث للجزيرة نت اعتبر الإمام البلجيكي ذو الأصل التونسي أن منفذي هذه التفجيرات استهدفوا تجربة ناجحة للتعايش السلمي وتدمير مكتسبات الاندماج والحوار والتواصل في دولة اعترفت بالإسلام رسميا عام 1974، ووضعت المسلمين على قدم المساواة بالحقوق مع غيرهم من المجموعات الدينية المعترف بها.

وتنفرد بلجيكا إلى جانب النمسا وإسبانيا ومولدوفا عن باقي دول الاتحاد الأوروبي باعترافها رسميا بالدين الإسلامي، وهو ما يجعل مسلميها ممثلين لدى السلطات الحكومية، ويعطيهم نفس الحقوق الدينية التي يحصل عليها المسيحيون واليهود وأتباع الطوائف الأخرى المعترف بها رسميا.

اعتراف بلجيكا بالإسلام سبقه إهداء ملكها السابق بودوان الأول عام 1967 للملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز مساحة شاسعة من الأرض في حديقة مجاورة لمقري المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، حيث أقيم مركز إسلامي يعتبر حاليا من معالم بروكسل.

التركي: تفجيرات بروكسل إرهاب استهدف تجربة ناجحة للتعايش السلمي (الجزيرة)

ثلاثمئة مسجد
وتقدر الإحصائيات الرسمية الأعداد الحالية للمسلمين في بلجيكا بنحو سبعمئة ألف نسمة، معظمهم من المغاربة والأتراك، فيما يبلغ مجموع سكان البلاد 11 مليونا.

ويؤدي مسلمو بلجيكا شعائرهم الدينية في أكثر من ثلاثمئة مسجد وعشرات المصليات التي تدفع الحكومة رواتب أكثر من مئة من أئمتها، حسب الإمام مصطفى التركي.

وقال التركي إن الحقوق الدينية المكفولة للأقلية المسلمة تشمل تدريس حصتين للدين الإسلامي بالمدارس الرسمية التي تسدد الحكومة رواتب أكثر من ثمانمئة من معلميها المسلمين.

ولفت إلى أن نظام التعليم البلجيكي يسمح لمسلمي البلاد بإقامة مدارس خاصة بهم تخضع لإشراف الحكومة التي تسدد رواتب معلميها.

وذكر رئيس التجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين أن المسلمين ببلجيكا هبوا فور وقوع تفجيرات بروكسل للتنديد بها واستنكارها لمسها ببلدهم، ولإدراكهم أنها تستهدف الوقيعة بينهم وبين محيطهم، كما تستهدف تهديد مكتسبات عيشهم السلمي مع الفئات المختلفة بمجتمعهم.

وتخوف التركي من التداعيات السلبية لتفجيرات الثلاثاء على أوضاع مسلمي البلاد، وتوقع استغلال اليمين المتطرف ما وقع في بروكسل بتغذية خطاب الإسلاموفوبيا والعداء للأجانب لتحقيق نتائج متقدمة في الانتخابات القادمة.

وخلص إلى التعويل على وعي البلجيكيين "بمواصلة الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، والتفريق بين الأكثرية الساحقة من مسلمي البلاد الحريصين على التواصل والرحمة والبناء، وقلة تريد استغلال الدين في الهدم والتخريب والقطيعة".

حنفي شدد على الحاجة لدراسة أسباب انتشار التشدد بين الشبان المسلمين بأوروبا (الجزيرة)

تفويت الفرصة
أما الرئيس السابق لهيئة العلماء والدعاة في ألمانيا الدكتور خالد حنفي فدعا المسؤولين البلجيكيين والأوروبيين عموما لتغليب العقل والحكمة وتجنب قصر علاج ما جرى على الحلول الأمنية وحدها وتحليل جريمة الثلاثاء مجتمعيا ونفسيا ودينيا.

وشدد في حديث للجزيرة نت على أهمية مراعاة تفويت الفرصة على تيارات اليمين المتطرف العازمة على استغلال تفجيرات بروكسل بزيادة التحريض العرقي ونشر الأحكام النمطية السلبية لزيادة الاستقطاب المجتمعي.

واعتبر حنفي أن تفجيرات العاصمة البلجيكية جريمة كارثية مدانة ترفضها الأديان والأعراف والفطرة السليمة، ورأى أن ما حدث له سياقه الخطير لوقوع التفجيرات بعد هجمات باريس بوقت وجيز وصعود أحزاب اليمين المتطرف، وتغير المزاج الشعبي والسياسي في أوروبا تجاه أزمة اللاجئين، "وسيطرة مشاهد إجرام تنظيم الدولة الإسلامية على الإعلام الغربي".

ودعا الرئيس السابق لهيئة العلماء والدعاة في ألمانيا مسلمي بلجيكا وقادة منظماتهم لرفع صوتهم بإدانة الإرهاب من خلال مظاهرة حاشدة تندد بتفجيرات الثلاثاء الدامي. وخلص إلى وجود حاجة شديدة لدراسة أسباب انتشار التشدد بين الشبان المسلمين في أوروبا، وإجراء مراجعة للخطاب الديني، وتطوير إستراتيجية لحماية الشباب من أخطار الانحراف والتطرف.

المصدر : الجزيرة