لا تعصف الهجمات التي ضربت العاصمة البلجيكية بقلب أوروبا فقط، بل يتجاوز مداها القارة العجوز التي أصبحت في مرمى نيران وقذائف تنظيم الدولة. وكما ضاعفت هذه الهجمات التحديات الأمنية في الغرب، فإنها قد تضاعف حالة عداء المسلمين أو الإسلاموفوبيا.

 إيمان مهذب

تدخل بلجيكا في حداد، وتخيّم الصدمة على أرجاء أوروبا، عقب هجمات 22 مارس/آذار الحالي التي ضربت مطار العاصمة بروكسل ومحطة لمترو الأنفاق، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى، في وقت تطفو على السطح تصريحات تزيد حالة الإسلاموفوبيا وتدعو إلى إجراءات أكثر صرامة تجاه المسلمين.

"بروكسل المُرعبة" كما يصفها رئيس تحرير صحيفة "إيكو" البلجيكية ضربها "رعب الإسلاميين"، نتيجة قيام "بعض المضللين باتباع أهوائهم الباطلة مما أوقع ثلاثين قتيلا بريئا في تضحية حمقاء".

لكن هذا الرعب لم يمتد صداه إلى أرجاء بلجيكا فقط، بل تجاوز الحدود وعبَر القارات، فتسارعت التصريحات المنادية بإغلاق الحدود والتضييق على المسلمين.

"كلنا في خطر" بهذه الكلمات اختزلت زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي المتطرف ماريان لوبان الوضع عقب هجمات بروكسل وذلك خلال زيارتها كندا، معتبرة أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يرفض "تسمية التهديد"، في إشارة إلى الإرهاب.

لوبان قالت في تصريحات نقلها موقع لوجورنال دو مونتريال "إنه (هولاند) يثير مسألة الإرهاب ويريد محاربته، لكن الإرهاب هو الوسيلة، هو السلاح الذي تحمله يد القاتل، نحن لا نقاتل ضد السلاح، نحن نقاتل ضد من يحمل السلاح.. من يحمل السلاح هي أيديولوجية الفكر الإسلامي الأصولي".

السياسيّة الفرنسية التي أشارت بشكل مباشر إلى ما أسمته الإسلام الأصولي أو المتشدد وعلاقته بما يحدث من هجمات، جددت التأكيد على مخاطر ما يحدث قائلة "كلنا قلقون من تكرار هذه الهجمات في كل مكان وفي أي وقت..".


video


إغلاق الحدود

وبعيدا عن لهجة اللوم والخوف، جددت لوبان دعوة البلدان الأوروبية للعودة إلى "حدودها الوطنية"، في إشارة إلى إلغاء العمل باتفاقية شنغن التي تتيح التنقل الحر بين دول الاتحاد الأوروبي.

إغلاق الحدود لم يكن مطلبا أوروبيا فقط، بل مطلب المرشح الجمهوري المحتمل لسباق الرئاسة الأميركية دونالد ترامب الذي دعا إلى إغلاق الحدود الأميركية عقب وقوع تفجيرات بروكسل.

ترامب الذي استغل هذه التفجيرات في حملته الانتخابية، دعا إلى توخي الحذر تجاه من يدخل إلى أميركا، معتبرا أن الولايات المتحدة والدول الغربية "متساهلة" في إجراءاتها ضد "المتشددين".

ولم يكن ترامب الوحيد الذي اغتنم فرصة التفجيرات لدعم خطابه، فقد دعا المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية تيد كروز سلطات بلده إلى "مراقبة وتأمين الأحياء التي تقطنها أغلبية مسلمة قبل أن تتحول إلى التشدد".

وفي تشخيصه لما حدث، قال كروز في تدوينة على موقع فيسبوك "إننا جميعا جزء من ثقافة لا يحتملونها، ولذا تعهدوا بتدميرها، والآن يشهد حلفاؤنا الأوروبيون ما نتج عن المزيج السام للمهاجرين الذين تداخل معهم الإرهابيون".

المقاربة الأمنية
ربط أزمة اللاجئين بما حدث من تفجيرات في أوروبا ضربت في وقت سابق باريس والآن بلجيكا، لم يكن السبب الوحيد بنظر سياسيين ومراقبين غربيين، فالمقاربة الأمنية التي اعتمدتها بلجيكا كانت أيضا محل انتقاد.

وزير المالية الفرنسي ميشيل سابان تحدّث عن "سذاجة بعض القادة" في كبح الحملات الأمنية على المجتمعات المسلمة، بينما وصفت مجلة "بوليتيكو" الألمانية بلجيكا بالدولة الفاشلة لأنها سمحت بانتهاكات خطرة في منطقة كـمولونبيك التي تقطنها غالبية مسلمة.

هذه التعليقات جاءت في سياق ما أثير ويثار من أسئلة بشأن أي مقاربة أمنية يمكن اعتمادها في مكافحة الإرهاب، حيث حذّر العديدون من ردود الفعل العكسية تجاه المسلمين وكل ما يرتبط بهم وعدم الانسياق خلف ما يريده تنظيم الدولة الإسلامية من تصعيد للتطرف وعداء للمسلمين.

video

فخ وتحذير
رئيس المعهد الفرنسي للتحليل الإستراتيجي فرانسوا جيريه حذّر من الوقوع في فخ فصل أطياف المجتمع الأوروبي، والإشارة إلى المسلمين المهاجرين واللاجئين بوصفهم خطرا محتملا على الدول الأوروبية.

ودعا الأوروبيين إلى التعامل بتعقل وحكمة، محذرا من أن تؤدي هذه الهجمات إلى تغيير طبيعة المجتمعات الأوروبية الديمقراطية أو إحداث فجوة داخلها، "فنحن مجتمع أوروبي واحد بغض النظر عن الاعتبارات الدينية".

الأمر ذاته أكدته صحيفة "تاغسشبيغل" الألمانية، التي ذكرت أن "إستراتيجية الإرهابيين تتمثل في دقّ إسفين بين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا وبين من حولهم من غير المسلمين. وبهذه الهجمات يتعمّق عدم الثقة، وتتسارع عزلتهم، وحينما يبدأ رد الفعل العكسي من المجتمعات الأوروبية تجاه كل ما هو مسلم: المساجد، والحجاب، وحتى قائمة الطعام الحلال، سيكون الإرهابيون قد حققوا هدفهم".

أما الكاتب سايمون جينكنز فأوضح في مقال نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، أن الأمر يتطلب نهج سياسة خارجية أكثر حكمة تجاه المسلمين من تلك التي اتبعتها معظم الدول الغربية خلال العقد الماضي. أما الواجب الأصعب تنفيذا مما سبق فيتطلب الصبر وضبط النفس في الترويج للحوادث "الإرهابية" والاستجابة لها.

وفي ظل هذه القراءات المختلفة، لا تزال أجواء الصدمة مخيمة على أوروبا التي تنتظرها أيام قد تكون عصيبة، فتنظيم الدولة توعّد كل الدول التي تقاتله في سوريا والعراق بأيام سود، سوادٌ قد يعمّ في أي لحظة دون سابق إنذار.

المصدر : الجزيرة