أثار مشروع قانون يتعلق بمنع إخفاء الوجه بالأماكن العامة تقدم به نواب من كتلة الحرة المنشقة عن حزب نداء تونس جدلا داخل الأوساط التونسية، حيث عدّه البعض تعديا على الحريات الشخصية، بينما رأى فيه آخرون استجابة طبيعية للأوضاع الأمنية الراهنة.

خميس بن بريك-تونس

عادت مسألة منع النقاب في الأماكن العامة تطفو من جديد على السطح في تونس، بعدما تقدمت كتلة الحرة بالبرلمان بمشروع قانون يمنع إخفاء الوجه للدواعي الأمنية، بينما رأت أطراف سياسية أن هذه المبادرة التشريعية ستخلق جدلا عقيما خارج التحديات الحقيقية للبلاد.

وقبل أيام تقدمت مجموعة نواب كتلة الحرة، التي أعلنت تأسيس حزب جديد أطلقت عليه حركة مشروع تونس، بعد أن استقال مؤسسوها من حركة نداء تونس عقب خلافات حادة حول تسيير الحزب، بمشروع قانون للبرلمان يتعلق بمنع إخفاء الوجه لتعزيز الوقاية من "الإرهاب".

و"الحرة" تتكون من 26 نائبا، وهي الكتلة الثالثة ترتيبا في البرلمان التونسي، بعد حركة النهضة لإسلامية وحركة نداء تونس التي انشطرت بسبب خلافات داخلية.

ويرفض خطها السياسي الخلط بين الدين والسياسة، كما يرفض التحالف مع الإسلاميين في ائتلاف سياسي.

بن أحمد: مشروع القانون له علاقة بتنامي العمليات المسلحة في تونس (الجزيرة)

مخاوف
وحول أسباب تقديم هذا المشروع، يقول النائب عن كتلة الحرة مصطفى بن أحمد إن هذا المشروع ليست له علاقة بالبحث عن إثارة أي جدل سياسي أو البروز في المنابر الإعلامية، وإنما له علاقة بتنامي الاعتداءات المسلحة، وبروز مخاوف من توظيف ارتداء النقاب من قبل الإرهابيين للتستر والتخفي، وفق تعبيره.

ويضف في حديثه للجزيرة نت أن الغاية من هذا المشروع ليست التضييق على حرية اللباس، وإنما "تعزيز مواجهة كل أساليب التخفي التي ينتهجها الإرهابيون للهروب من قبضة العدالة، أو للقيام باعتداءات مسلحة"، مؤكدا أن حرية اللباس يجب أن تكون منظمة في إطار يتناغم مع أمن البلاد.

ويتفق مع هذا الموقف النائب عن الجبهة الشعبية اليسارية زهير حمدي الذي يرى أن أي مظهر في سلوك الإنسان ولباسه يجب أن ينسجم مع مقتضيات أمن المجتمع التونسي، الذي قال إن من حقه أن يكون محميا في الفضاءات العامة من "خطر تخفي إرهابيين وراء النقاب".

وكانت وزارة الداخلية كشفت العام الماضي عن إلقاء القبض على أشخاص مشتبه بهم بقضايا "إرهابية" كانوا يتخفون في النقاب، معلنة تشديد مراقبتها على كل شخص يرتدي هذا اللباس الذي انتشر بشكل كبير في البلاد بالتزامن مع ارتفاع منسوب الحريات.

وفي حديثه للجزيرة نت، رأى زهير حمدي أن مشروع قانون منع ارتداء النقاب في الأماكن العامة "مسألة طبيعية لأنه يستجيب للأوضاع الأمنية الراهنة التي تمر بها البلاد في ظل تصاعد اعتداءات الإرهابيين"، مؤكدا أن تمرير القانون يشكل حماية لأمن البلاد.

مضامين المشروع
ويتكون مشروع القانون من أربعة فصول، حيث يتحدث الأول عن منع إخفاء الوجه في الأماكن العامة، ويحدد الثاني طبيعة تلك الأماكن، وينص الثالث على العقوبات التي تصل إلى 15 يوما سجنا، وغرامة قدرها 2200 دولار، بينما يعاقب الفصل الرابع كل من يجبر شخصا على ارتداء النقاب بالسجن لمدة عام.

 الدائمي يؤكد رفضه التضييق على حرية اللباس (الجزيرة)

من جهته، يقول النائب عن حركة النهضة الهادي بن براهم للجزيرة نت إن هذا المشروع يعتدي على الحريات الشخصية المضمنة بالدستور، خاصة حرية اللباس.

ويشير إلى أن هذه المبادرة التشريعية "ستخلق جدلا عقيما في البلاد وستفتح الباب أمام مطالبة البعض الآخر بمنع اللباس القصير مثلا".

ويضيف "نعتقد بأن المشروع فيه جانب من المزايدات السياسية، وفيه تحويل لوجهة نظر الرأي العام من قضايا حارقة إلى قضايا أكثر تهميشا"، مؤكدا أن البلاد تحتاج إلى مبادرات تشريعية تهتم بأولويات عاجلة مثل مطالب التشغيل ودعم الاستثمار والتمييز الإيجابي للمناطق الفقيرة.

ويتوافق مع هذا الرأي النائب عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية عماد الدائمي الذي يرى أن مشروع القانون "لا يأتي ضمن أولويات المرحلة، وأنه يطرح جدلا عقيما حول مسائل خلافية لا تصب في خانة الاهتمامات الكبرى للبلاد، ولا تسهم في تكريس الحقوق المضمنة بالدستور".

ويقول للجزيرة نت إن المبررات التي قدمتها كتلة الحرة لمنع النقاب "لا ترتقي" للمبررات التي حددها الدستور لتقييد بعض الحقوق التي ترتبط بضرر جسيم، رافضا التضييق على حرية اللباس كمكسب من مكاسب الثورة بقوانين دائمة بناء على أوضاع أمنية استثنائية، على حد وصفه.

المصدر : الجزيرة