أزمة العلاقة بين المكونات الدينية والطائفية بسوريا كانت موجودة قبل الثورة، وكانت تنتظر لحظة الإعلان عنها، و عكس التقسيم السكاني للمدن السورية هذه الحقيقة، حيث اختفت مظاهر الأحياء المختلطة بدمشق كأكبر تجمع للسوريين، وباتت هناك أحياء مغلقة على الطائفة.

ياسر الأطرش-تركيا

بين عامي 1920 و1921 قسم قائد جيوش فرنسا في الشرق الجنرال غورو الأراضي السورية إلى ست ولايات تبعا للانتماء الديني والعرقي والطائفي، وبرر سياسته التقسيمية بأن هذه المكونات غير متمازجة بعضها مع بعض، وهذا ما تتذرع به اليوم القوى الدولية والداخلية الداعمة للفدرالية بسوريا، ولم تعد مجرد كلام بإعلان قوى كردية نظاما فدراليا في شمالها أو ما تصطلح عليه بـ"روج آفا".

وبعيد هذ الإعلان بدأت تظهر -وإن على نطاق ضيق- دعوات لإعلان كيان مماثل في جبل الدروز، وهو الأكثر استعدادا وجاهزية لجهة تواؤم مؤسساته الدينية والشعبية واستقلاله الجغرافي كما قال داعمو الفكرة والداعون إليها.

ولا تبدو هذه الكيانات المعلنة وغير المعلنة ضربا من الأوهام السياسية، فقبل أقل من قرن من الزمن كانت واقعا فرضه الاستعمار الفرنسي وأسقطه الشعب، وبقيت معظم المكونات في حالة تجمع جغرافي، لكنها لم تندمج طيلة ثمانين عاما تلت توحيد البلاد.

ولا يزال الدروز يشكلون 98% من سكان محافظة السويداء جنوبا، ويتمركز الأكراد في الشمال والشمال الشرقي، بينما حافظ العلويون على وجودهم في جبال العلويين والساحل، وبقي المكون السنيّ الأكبر محافظا على موقعه التاريخي في دمشق وحوران والداخل وصولا إلى شرق البلاد.

مساكنة بالإكراه
ويرى الباحث الاجتماعي غازي دحمان أن هذا الواقع يؤكد أن أزمة العلاقة بين هذه المكونات بسوريا كانت موجودة قبل الثورة وقبل الأحداث، وكانت تنتظر لحظة الإعلان عنها، ويضيف في حديث للجزيرة نت أن التقسيم السكاني للمدن السورية عكس هذه الحقيقة بجلاء، حيث اختفت مظاهر الأحياء المختلطة في دمشق، وهي أكبر تجمع للسوريين، وبات هناك أحياء مغلقة على أبناء كل طائفة.

وثيقة هوية شخصية تعود لفترة المنطقة العلوية المستقلة (الجزيرة)

وبدأت ملامح هذا التطور -حسب دحمان- تتمظهر منذ عام 2000 بكثافة، فكانت أحداث طرابلس اللبنانية المتواترة في تلك الفترة تشكل صورة عن العلاقة بين المكونات في المنطقة وسوريا، وزادتها أحداث بيروت ومحاولة حزب الله السيطرة على الشارع السني وإخضاعه عام 2007.

وأقر دحمان بصعوبة استعادة السلم والعيش المشترك، وفي أفضل الأحوال يمكن أن يكون هناك سلام بارد ومساكنة بالإكراه، وقال "في الغالب الأعم لن تعود الأمور إلى حالة السلم الاجتماعي ربما قبل جيلين من الآن، وهذا يتطلب تغيير التصورات النمطية والخروج من تحت عباءة الزعامات الطائفية التي قادت هذا الصراع وحولته إلى صراع وجودي ومقدس في الآن نفسه".

مَن المستفيد؟
ورغم شبه الإجماع الدولي والإقليمي على رفض إعلان الفدرالية الكردية من جانب واحد في شمال سوريا، عبر نظام الأسد عن رفض خجول تبعه تصريح لعضو مجلس الشعب الكردي عمر أوسي، مرر من خلاله رسالة مفادها أن نظام الأسد يسمح بحكم ذاتي كردي ولكن بالتنسيق معه.

 إدلبي: يصعب معرفة رأي السوريين في الفدرالية بظروف الحرب والتهجير(الجزيرة)

وعلى الصعيد الدولي، تجاهر روسيا وإسرائيل برؤيتهما للحل في سوريا الذي يمر عبر بوابة الفدراليات حصرا، تضاف إليهما إيران.

ويرى عضو تجمع ثوار سوريا المعارض عمر إدلبي أن الأمر معقد أكثر مما يعتقد بعض من وصفهم بالواهمين من الأطراف الدولية والانفصاليين الكرد، فالمنطقة متشابكة ومعقدة ديمغرافيا، وإعمال التقسيم في جزء منها سيدفع الإقليم كله للتقسيم، وهذا ما لا يريده أحد.

ويؤكد إدلبي للجزيرة نت أنه من الصعب الآن في ظروف القصف والتهجير الوقوف علميا وجديا على رغبة السوريين بخصوص العيش المشترك أو الفدرالية.

وأوضح أن ما دفع بعض التيارات الكردية نحو الانفصال هو فائض القوة جراء الدعم الأميركي الروسي، وانشغال المكونات العربية بقتال النظام وتنظيم الدولة الإسلامية.

ويضيف أنه عندما تقف الحرب ويعود المهجرون لمناطقهم سيكون قرار السوريين أقرب لاختيار وحدة البلد والعيش المشترك، وربما يكون الحل الأمثل هو نظام حكم لا مركزي يتيح إدارات أكثر استقلالا، ويسهم في التخفيف من مركزية الدولة وما ينجم عنها من بيروقراطية ومظالم للمناطق البعيدة عن مركز الدولة السياسي.

المصدر : الجزيرة