خلال أسبوع واحد وثقت تنسيقية تدمر بريف حمص أكثر من أربعمئة غارة جوية، ويشير ناشطون إلى أنها تتعرض "لتدمير ممنهج"، حيث أدى القصف الروسي العشوائي إلى تدمير نصف أحياء المدينة المدرجة على لائحة التراث العالمي بشكل شبه كامل.

أمين الفراتي-ريف حمص

منذ أكثر من عشرة أيام تتعرض مدينة تدمر في ريف حمص الشرقي (وسط سوريا) لحملة قصف جوي كثيفة من الطيران الحربي الروسي والمروحي التابع لجيش النظام، مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من سكانها وتدمير مواقع أثرية ومستشفيات ومنازل.

وبفعل كثافة الغارات واستهدافها المدنيين وتاريخ المدينة وآثارها المصنفة كتراث عالمي، أطلق ناشطون نداء استغاثة، معلنين مدينتهم منكوبة، وطالبوا المجتمع الدولي بحماية ما بقي منها.

ووثقت تنسيقية تدمر أكثر من أربعمئة غارة جوية خلال أسبوع واحد، مؤكدة أن تدمر -التي تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية منذ مايو/أيار الفائت- تتعرض "لتدمير ممنهج".

وأشارت التنسيقية إلى أن الطيران الروسي العشوائي دمّر نصف أحياء المدينة المدرجة على لائحة التراث العالمي بشكل شبه كامل خلال الشهرين الأخيرين.

منزل مهدم في تدمر جراء الغارات الروسية على الأحياء السكنية
استهداف متعمد
وأكد ناشطو المدينة -في بيان نشروه على مواقع التواصل الاجتماعي وترجموه إلى اللغة الروسية- أن القصف استهدف المنطقة الأثرية، ودمر النقطتين الصحيتين الوحيدتين في المدينة، إضافة إلى مدارس، ومساجد، والكنيسة الوحيدة بالمدينة.

وأشار الناشطون إلى أن القصف الجوي للطيران الروسي جاء ليزيد من مأساتهم بعد أن ضيق تنظيم الدولة الخناق على من تبقّى من مدنيي المدينة ومارس ضدهم كل أنواع الظلم والقهر.

وقال عضو تنسيقية المدينة ناصر الثائر إن الاشتباكات لا تزال مستمرة بين قوات النظام ومليشيات طائفية، وبين قوات لتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة جبل هيان التي تقع على بعد 12 كيلومترا جنوب غرب المدينة.

ووصف الثائر في حديث للجزيرة نت وضع المدينة بأنه "مأساوي"، حيث لا توجد كهرباء ولا مياه صالحة للشرب، ولا اتصالات، ولا مشاف، مضيفا أن مظاهر الحياة منعدمة بشكل كامل، ونسبة الدمار تكاد تصل إلى 70% في المدينة، على حد قوله.

وأوضح الثائر أن المدينة كانت تضم نحو 170 ألف نسمة، منهم خمسون ألفا نزحوا إليها خلال سنوات الثورة، ولم يتبق منهم سوى خمسة آلاف "ينتظرون الموت" على حد تعبيره، مشيرا إلى أن قوات النظام لا تزال تتعمد استهداف المنطقة الأثرية في المدينة بالقنابل والصواريخ، مما أدى إلى أضرار كبيرة لحقت بها، وخاصة قلعتها التاريخية.

من جانبه، أشار الإعلامي السوري محمد العبد الله في حديث للجزيرة نت إلى أنه لا وجود ملحوظا لعناصر تنظيم الدولة داخل المدينة، وأن استهدافها بهذا الشكل الوحشي-كما وصفه- لا يطول تنظيم الدولة كما تدعي القيادة الروسية، بل هو تدمير ما بقي من المدينة تمهيدا لاقتحامها من قبل قوات النظام والمليشيات التي تدعمها من الجهة الغربية الجنوبية.

مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية سيطروا على تدمر في مايو/أيار الماضي (الجزيرة)

تهجير قسري
ولفت العبد الله -وهو من أبناء تدمر- إلى أن سكان المدينة التي يحلو للسوريين تسميتها "لؤلؤة الصحراء" هُجّروا قسرا من بيوتهم بسبب القصف الجوي المتواصل، فأصبحت المدينة شبه خالية من السكان، بعد أن نزح من بقي من سكانها ومن لجأ إليها سابقا باتجاه البادية، حيث يعيشون في ظروف بالغة السوء.

ويرى العبد الله أن معارك تنظيم الدولة والنظام كانت "وهمية"، مشيرا إلى هناك مؤشرات على أن النظام قام بتسليم المدينة لاستثمار ذلك إعلاميا.

ووفقا للعبد الله فإن المعارك في مدينة تدمر بوصفها محط أنظار العالم بسبب آثارها المدرجة على لائحة التراث العالمي ستظهر النظام أمام العالم أنه يحارب ما يسميه "الإرهاب".

وأشار العبد الله إلى أن انسحاب مستشارين إيرانيين كانوا في مطار المدينة ونقل المعتقلين من سجن تدمر وإفراغ متحف المدينة، والمستودعات الإستراتيجية العسكرية قبل شهرين من وصول التنظيم كلها مؤشرات على أن عملية تسليم تمت، دفع ولا يزال يدفع ثمنها المدنيون.

وتعد مدينة تدمر من أشهر المدن التاريخية في العالم، وتُعرف بأعمدتها الرومانية ومعابدها ومدافنها الملكية، والتي تعرضت للتدمير منذ استيلاء تنظيم الدولة عليها.

كما تعد المدينة -وفق الباحث السوري تيسير خلف- عقدة مواصلات مهمة، خلال العصر الإمبراطوري الروماني، ومحطة على طريق الحرير، وكانت عاصمة إمبراطورية شرقية ممتدة في عهد زنوبيا، فجسدت أول محاولة لبناء سلطة مركزية في سوريا.

وأشار خلف في حديث للجزيرة نت" إلى أن مدينة تدمر تتعرض لما سماها "حملة إجرامية" لأنها لا تستهدف "الارهابيين"، بل تستهدف تاريخا ومواقع أثرية مغرقة في القدم والعراقة، أهمها قلعة المدينة التي دُمر جزء منها.

المصدر : الجزيرة