يؤكد محللون روس أن انسحاب القوات الروسية من سوريا جاء بعد أن حققت هدفها الرئيسي بمنع سقوط نظام الأسد، بينما يرى آخرون أن الكرملين أدرك أخيرا أنه يتورط أكثر فأكثر في المستنقع السوري وأن حربه ستطول دون أن تحقق أهدافها.

افتكار مانع-موسكو

أثار قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتعليق ما أسماه العمليات العسكرية الرئيسية في سوريا وسحب الجزء الأكبر من قواته الكثير من التساؤلات، لا سيما وأنه جاء دون مقدمات، وكان السؤال الأبرز: هل كان قرار الانسحاب منفردا أم أنه يأتي في إطار توافقات دولية لم يتم الكشف عن تفاصيلها حتى الآن؟

ومما زاد الغموض أن الانسحاب لم يكن نهائيا، إذ أن روسيا تركت المجال مفتوحا أمام استمرار غاراتها على مواقع من تصفهم بالإرهابيين

وقد بدأت موسكو حملتها العسكرية بسوريا في سبتمبر/أيلول الماضي بحجة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها سرعان ما واجهت انتقادات من مختلف دول العالم لأنها ركزت ضرباتها على المعارضة المسلحة التي توصف بالاعتدال، ما أعطى انطباعا بأن الحملة تهدف بالدرجة الأولى لدعم نظام بشار الأسد ومساعدته في استرداد المناطق الواقعة تحت سيطرة خصومه.

دولوغوف: القوات المسلحة حققت الأهداف الأساسية التي أرسلت من أجلها (الجزيرة)

قرار مدروس
ويرى خبير معهد الاستشراق بوريس دولوغوف أن الانسحاب جاء بعد تقديرات القيادة الروسية بأن القوات المسلحة حققت الأهداف الأساسية التي أرسلت من أجلها، إذ أنها منعت المنظمات الجهادية من الإطاحة بالنظام وساعدت قوات النظام في استعادة قسم كبير من المناطق التي خرجت عن سيطرتها.

ويضيف: لكنها في المقابل فشلت في تحقيق أهدافها المتمثلة في القضاء على تنظيم الدولة والمنظمات الجهادية الأخرى كـ جيش الإسلام وحركة أحرار الشام وجبهة النصرة.

ويعتبر دولوغوف -في حديثه للجزيرة نت- أن القرار الروسي يهدف للدفع بعملية السلام وإطلاق المفاوضات بين الفرقاء السوريين، كما أنه يقدم إشارة إيجابية للولايات المتحدة والمملكة السعودية وتركيا مفادها أن روسيا لم تأت لسوريا للبقاء فيها، وإنما للحفاظ على كيان الدولة السورية ومنع إنهيارها ومواجهة الفوضى و"الإرهاب" في المنطقة.

وعن دوافع الانسحاب، يقول دولوغوف إن "القرار لم يكن مفاجئا وإنما هو قرار مدروس تم اتخاذه بناء على توصيات خبراء ومستشارين سياسيين وعسكريين واقتصاديين روس، ولا أعتقد أن روسيا نسقت الأمر مع الولايات المتحدة مسبقاً، لأن الرئيس بوتين أبلغ نظيره الأميركي بهذا القرار هاتفيا، وكذلك أبلغ الرئيس بشار الأسد لإعطاء السوريين الفرصة ليقرروا مصيرهم بأنفسهم".

ولم ينكر مخاوف موسكو من استغلال قوى المعارضة الانسحاب الروسي لتعزيز مواقعها واستعادة سيطرتها على المناطق والمدن التي اضطرت للتخلي عنها، ما يعني عودة المواجهات والاقتتال مجددا.

ليتوفكين: الانسحاب الجزئي للقوات الروسية لا يعني خروجها نهائيا (الجزيرة)

انسحاب جزئي
من جانبه، يؤكد الخبير العسكري فكتور ليتوفكين أن القوات الروسية في سوريا نفذت مهماتها المتمثلة في "تطهير" القسم الغربي من البلاد من مقاتلي تنظيم الدولة.

وكانت حصيلة العملية التي استمرت قرابة نصف عام استعادة كامل السيطرة على اللاذقية وربطها بـ حلب، ومحاصرة تدمر. علما بأن المعارك ما زالت مستمرة لاستعادة السيطرة عليها، بالإضافة إلى استعادة النظام أجزاء كبيرة من محافظتي حمص وحماة، واستعادة السيطرة على قاعدة كويرس الجوية بعد ثلاث سنوات من استيلاء المسلحين عليها، واستعادة السيطرة على حقول النفط والغاز بالقرب من تدمر.

ويقول ليتوفكين -في حديثه إلى الجزيرة نت- إن "الانسحاب الجزئي للقوات الروسية لا يعني خروجها نهائيا، فهي قادرة على إعادتها إلى سوريا في أي وقت في حالة ظهور تهديد حقيقي قد يؤدي لتغيير جذري في موازين القوى على الأرض، ما يعني أنها باقية بمنطقة الشرق الأوسط".

ويشدد على أن روسيا ما تزال تحافظ على قواعدها في طرطوس وحميميم، كما أنها ستبقي منظومة أس-400 لمراقبة الأجواء السورية وسريان الهدنة.

يكفنكو: روسيا منيت بالهزيمة بسوريا ولم تتمكن من القضاء على تنظيم الدولة (الجزيرة)

تخبط وفشل
في المقابل، يرى الصحفي المعارض إيجر يكفنكو أن روسيا فاجأت الجميع في السابق عندما قررت التدخل بسوريا، واليوم تفاجئ الجميع مجددا بقرارها الخروج، وهذا يدلل على مدى التخبط في اتخاذ القرار.

ويضيف للجزيرة نت أن روسيا منيت بالهزيمة في سوريا لأنها فشلت في تحقيق أهدافها ولم تتمكن من القضاء على تنظيم الدولة ولا المعارضة السورية المسلحة، وفشلت في تثبيت سلطة الأسد على الأراضي السورية، فالأسد لا يسيطر إلا على جزء يسير من الأراضي السورية وقواته منهكة ولا يمكنها الصمود دون مساعدة الإيرانيين والمليشيات العراقية الشيعية ومليشيا حزب الله.

ويعتقد يكفنكو أن سحب القوات الروسية سوف يؤدي إلى استعادة قوات المعارضة السورية المسلحة المبادرة، وإحداث تغيير على أرض الواقع.

ويشدد على أن روسيا أدركت أخيرا أنها تنزلق أكثر بالدوامة السورية وأن مهمتها قد تطول لأعوام دون تحقيق نتائجها، مع إمكانية تطور المواجهة لدخول لاعبين إقليميين لساحة المعركة مما يهدد باتساع نطاق الحرب، هذا بالإضافة للنزيف المالي والانعكاسات على الاقتصاد الروسي المنهك أصلا.

المصدر : الجزيرة