ياسين بودهان-الجزائر

تثير زيارات زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي المتكررة للجزائر، واستقباله رسميا من طرف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الكثير من الأسئلة بشأن دلالات وأبعاد هذه الزيارات، وعن السر في الاحتفاء الرسمي الجزائري بالرجل.

وبالرغم من عدم تقلده منصبا سياسيا يؤهله لتمثيل بلاده في الخارج -حسب البعض- فإن الغنوشي حظي في أقل من ستة أشهر باستقبال من طرف الرئيس بوتفليقة ثلاث مرات، وست مرات منذ 2011، آخرها كان بعد اعتداءات مدينة سوسة الساحلية في يونيو/حزيران الماضي.

وجاءت الزيارة الأخيرة للغنوشي الأحد الماضي التي استقبله فيها الرئيس بوتفليقة أيضا بعد أيام قليلة من محاولة مجموعة مسلحة احتلال مدينة بنقردان بالجنوب التونسي المتاخمة للحدود الليبية، وإعلانها إمارة إسلامية تابعة لتنظيم الدولة، وهي المحاولة التي أجهضها الجيش التونسي، وقتل خلالها عشرات من المسلحين واعتقل آخرين.

ويسأل بعض المراقبين عن لقاءات الغنوشي ببوتفليقة المتكررة التي لم يحظ بها سياسيون جزائريون مقربون منه، وعما إذا كانت مؤشرا لـ"ثقة" النظام الجزائري في الرجل الذي تربطه علاقات قديمة ومميزة ببوتفليقة، تعود إلى أيام وجودهما في المنفى الإجباري بالنسبة للغنوشي، والاختياري لبوتفليقة في مدينة العين الإماراتية.

ويطرح آخرون أسئلة حول ما إذا كانت علاقة الغنوشي بما يسمى "شبكة الإسلام السياسي" هي السبب في محاولة النظام الجزائري لاستغلال هذه العلاقة لمواجهة نفوذ واحتواء بعض الجماعات الإسلامية بالمنطقة، وبشكل خاص في ليبيا التي يشكل وضعها الحرج تهديدا حقيقيا لكل من الجزائر وتونس.

محمد ذويبي: الغنوشي تربطه علاقة قوية بالرئيس بوتفليقة (الجزيرة)

ثقة متبادلة
ويرى الكاتب والإعلامي المختص في الشأن التونسي عثمان لحياني أن "الغنوشي يمثل خط العلاقة الرئيس بين تونس والجزائر"، وأنه "رجل الثقة الأول بالنسبة للجزائر".

وفي تقديره فإن القيادة السياسية في الجزائر تثق في الغنوشي وفي مواقفه المنسجمة مع الجزائر تجاه القضايا الإقليمية، وهذا يؤشر -حسب حديثه للجزيرة نت- على أن "الجزائر تنظر في المقابل بعين الريبة إلى القيادات السياسية الليبرالية في تونس المرتبطة بخط علاقة مع واشنطن وباريس".

ويعتقد محمد ذويبي الأمين العام لحركة النهضة الجزائرية (وهي حزب إسلامي معارض) في حديثه للجزيرة أن الوضع الحرج جدا في ليبيا والناتج عن "تفكك النظام السابق الذي لم يستطع بناء دولة لا تزول بزوال رجالها، خلق قلاقل وتحديات خطيرة على دول الجوار، وبشكل خاص الجزائر وتونس" وهو ما يفرض مثل هذه اللقاءات.

وفيما إذا كان الغنوشي فعلا رجل الثقة لدى النظام الجزائري، شدد ذويبي على أن الغنوشي فعلا تربطه علاقات قديمة وقوية مع الرئيس بوتفليقة، لكن ذلك ليس السبب الوحيد لتكرار هذه اللقاءات.

ويؤكد أن "النهضة التونسية شريك مهم في الحكم بتونس"، وأن "حجمها وتأثيرها في الراهن التونسي أكبر بكثير من حجمها في الحكم"، وذلك يؤكد على حد تعبيره "أهمية التحادث مع الغنوشي".

ويعتبر ذويبي أن مصلحة البلدين، وضرورة مواجهة المخاطر الناتجة عن ضعف المؤسسات الليبية، وإيمان الرجلين بالعمل على عدم حدوث تدخل عسكري أجنبي في ليبيا تكون آثاره وخيمة على تونس والجزائر، كلها أمور تقتضي تعاونا وثيقا بين الغنوشي وبوتفليقة.

 العقيد بن جانا: لقاءات بوتفليقة مع الغنوشي تأتي لأنه يمثل تيار الإسلام السياسي (الجزيرة)

مصالح مشتركة
وفي سياق العلاقات التونسية الجزائرية تربط بين البلدين اثنتا عشرة اتفاقية في مختلف المجالات الأمنية والعسكرية، مما يؤشر على قوة وتميز العلاقات الثنائية بين البلدين.

وحسب العقيد الأسبق في الجيش الجزائري عمر بن جانا فإن الجزائر لديها تجربة رائدة في تسيير المرحلة الانتقالية ومكافحة ظاهرة "الإرهاب"، ولذلك فهي مدعوة ومطالبة بمساعدة تونس لتجاوز أزماتها الداخلية الحالية وخاصة الأمنية منها.

ويعتقد بن جانا أن "ملف المصالحة الوطنية الذي أنهى سنوات العنف بالجزائر، تجربة يمكن أن تساعد تونس على تجاوز محنتها"، خاصة أن تونس " تفتقد مثل هذه التجارب"، مبينا للجزيرة نت أن "ضعف الدولة التونسية في هذا الأمر تجلى بعد اعتداءات سوسة العام الماضي".

ويرى العقيد الأسبق أن لقاءات بوتفليقة والغنوشي تأني باعتبار الأخير يمثل تيار الإسلامي السياسي، ويمتلك علاقات قوية بما سماه "شبكة الإسلام السياسي"، وبحكم العلاقات التي تربط قادة هذا التيار عالميا، فإن "لقاءاته مع بوتفليقة قد تكون في سياق محاولة احتواء التيار الإسلامي التونسي وتهذيب خطابه".

وتأتي اللقاءات أيضا وفق بن جانا محاولة "للاستفادة من علاقات الرجل بالأحزاب الإسلامية في ليبيا، خاصة أن وجهة نظر الغنوشي وبوتفليقة واحدة ضد التدخل العسكري الأجنبي في هذا البلد".

المصدر : الجزيرة