عندما توالت الانشقاقات بصفوف الجيش السوري مع بداية الثورة لم يجد نظام بشار الأسد بدًّا من الاعتماد على المليشيات الشيعية لمواجهة المعارضة فشكلت هذه المليشيات له طوق نجاة مؤقت حتى دخل الروس على الخط لتحقيق ما عجز عنه الأسد وحلفاؤه.

أيمن محمد-الجزيرة نت

بثت مجموعة من الضباط والمجندين مطلع يونيو/حزيران 2011 تسجيلا أعلنوا فيه انشقاقهم عن الجيش السوري لتكون تلك الانشقاقات بمثابة ضربة قاصمة لمؤسسة الجيش التي تعتبر الركن الأساسي لنظام بشار الأسد، وقد تلت ذلك آلاف من عمليات الانشقاق لضباط وعناصر رفضوا قتل شعبهم خاصة في السنتين الأولى والثانية من اندلاع الثورة السورية.

وقد دفعت هذه الانشقاقات الأسد إلى الاعتماد تدريجيا على المليشيات الشيعية بهدف الحفاظ على كرسي الحكم وقمع المنتفضين في وجه نظام البعث وتحويل الصراع من ثورة شعبية إلى حرب طائفية ومذهبية.

ونجح الأسد في ذلك حيث بدأ بالاستعانة بحزب الله اللبناني ثم انتقل إلى جلب عشرات من المليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية والإيرانية.

بدورها وثقت المعارضة السورية مشاركة أكثر من 25 فصيلا عراقيا تنتشر في دمشق وريفها وحلب وحمص إلى جانب قوات النظام من أبرزها "عصائب أهل الحق ولواء "أبو الفضل العباس" وحركة النجباء وحزب الله العراقي إضافة إلى فصيلين أفغانيين هما "لواء خادم العقيلة"، و"لواء فاطميون"، فيما كشفت تسجيلات مسربة مشاركة "لواء زينبيون" الباكستاني في سوريا.

video

تدخل علني
وفي مطلع يونيو/حزيران من عام 2013 ظهر تدخل حزب الله العسكري بشكل علني في سوريا بداية بمدينة القصير غربي حمص ومن ثم انتقل إلى القلمون والغوطة الشرقية بـريف دمشق وبعض مناطق الشمال في ريفي حلب وحماة.

ولم يكتف الحليف الإيراني بتزويد النظام بالسلاح بل دخل بقوات النخبة من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج "التعبئة الشعبية" أواخر عام 2013 أثناء معارك فتح الطريق الدولي بين حماة وحلب عبر خناصر فمدينة السفيرة.

ويؤكد هذا التدخل صور واعترافات وأشرطة مصورة لقتلى إيرانيين في معارك ريف حلب الجنوبي وريف حماة الشمالي أبرزهم نائب قائد فيلق القدس الجنرال حسين همداني.

ويعزو الكاتب والصحفي محمد منصور أهم أسباب استجلاب المليشيات الشيعية للقتال في سوريا إلى إسباغ الطابع المذهبي على الصراع، ويقول إن نظام الأسد وإيران يعلمان جيدًا أن هذه المليشيات سترفع شعارات طائفية وتستفز بذلك قوى الثورة.

ويعتبر أن الوظيفة الأساسية لهذه المليشيات هي تشويه جوهر الصراع باعتباره ثورة شعبية على نظام مستبد وجعله صراعا طائفيا ينذر بتفجير المنطقة وتفتيت سوريا والمس بالعتبات الشيعية.

انزعاج
وتحدث الصحفي السوري عن انزعاج علوي من المليشيات الإيرانية بسبب طابعها المذهبي المتدين في وقت لا يلتزم العلويون بأي طقوس دينية، مشيرا إلى أن هذه المليشيات أصبحت صاحبة الكلمة الفصل على الأرض.

وأشار إلى أن نشر التشيع داخل المناطق العلوية أصبح يثير القلاقل إضافة إلى التعامل الفوقي، ومن ثم رأت الحاضنة العلوية في الروس حليفا أقرب إلى علمانيتهم.

طوق النجاة الذي اعتمد عليه نظام الأسد خلال السنوات الماضية لم يغير واقع السيطرة على الأرض الأمر الذي دفعه إلى خلق واقع ديموغرافي جديد من خلال عمليات التهجير الممنهج في كل من حمص وريف دمشق على وجه الخصوص، وفق تقارير حقوقية.

video

ويرى  الكاتب محمد منصور أن الوجود الإيراني في حمص ودمشق وحلب يبقى مؤقتا، وعزا ذلك إلى كون هذه المدن سنية عريقة ومنفتحة على قبول الآخر تاريخيا، ويقول إن " قبول الآخر لا يعني قبول الغزاة والمعتدين والتفريط في الهوية".

تنازلات
ولم يكن تدخل المليشيات الإيرانية بشكل سري بل تحت مرأى قوى إقليمية ودولية اكتفت بتوجيه بوصلتها نحو تنظيم الدولة الإسلامية وبعض الفصائل السورية الأخرى كجبهة النصرة ضمن ما أسمته "الإرهاب".

وفي هذا الصدد يقول الصحفي السوري حسام محمد إن الدول العظمى غضت الطرف عن التدخل الإيراني ووافقت على إقحام هذه المليشيات في سوريا بهدف الحصول على تنازلات أكبر من طهران في مجال ملفها النووي، لذلك -يقول حسام محمد- قدمت لإيران تسهيلات وحصلت منها على تنازلات.

وأوضح محمد أن تدخل المليشيات الطائفية جاء إما بحجة حماية المقدسات بتسهيلات من النظام السوري وإما على خلفية التمدد الديني الشيعي في مواجهة أبناء دمشق التي تعتبر عاصمة الأمويين وتفريغا للحقد الطائفي المزروع منذ عقود.

وأشار محمد إلى أن إيران بدورها نظمت عبور المرتزقة الأفغان وغيرهم من مليشيات تديرها مقابل أموال أو تقديم تسهيلات لهم في طهران.

لكن مراقبين أكدوا أن الفشل الإيراني في خلق واقع جديد على الأرض إضافة إلى تقدم المعارضة السورية المسلحة في الشمال والشمال الغربي لسوريا وصولا إلى تخوم الساحل مهد لاستنفار موسكو بكل طاقاتها العسكرية وخاصة الجوية منها في مسعى لتحقيق ما عجز عنه النظام السوري وحلفاؤه.

المصدر : الجزيرة