المحادثات المقبلة بجنيف، التي من المزمع أن تستمر عشرة أيام وفي ظروف الهدنة المقنعة عموما لواشنطن وموسكو، ينتظر أن تتجاوز إرث السنوات الخمس الدامية والكثير من الخلافات وعدم الثقة وتضع قطار الحل على سكة الانطلاق.

من مدينة درعا في فبراير/شباط 2011 بدأت فصول الثورة السورية التي سرعان ما تحولت إلى حرب طاحنة استعصت على الكثير من الحلول، بدءا من مبادرات عربية إلى اجتماعات بمقر الأمم المتحدة في نيويورك وعدة عواصم عربية وأوروبية.
 
وفي بداية الأزمة السورية حاولت جامعة الدول العربية إيجاد حل للأزمة السورية ضمن البيت العربي، فأرسلت مبعوثين وتبنت قرارات لم تحل دون تسعير الحرب واتخاذها مسارا دمويا وبعدا إقليميا دوليا وسط مناخ من التجاذبات وما زال لهيبها مستعرا.
 
وفي ظل العسكرة غير المسبوقة والمجازر المتصلة ودخول تنظيمات "إرهابية" إلى الواجهة بدأت مساع أممية مرتبكة لمحاولة وقف العنف، حيث تم في 2 أبريل/نيسان 2012 الاتفاق على وقف لإطلاق النار بموجب خطة لمبعوث الأمم المتحدة كوفي أنان، لكنه لم يصمد. واستقال أنان من مهمته، ليخلفه السياسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي الذي قاد المسار السياسي إلى أولى محطاته في جنيف.

وبدأت حلقات جنيف باجتماع 30 يونيو/حزيران 2012، حيث اتفقت مجموعة عمل مؤلفة من الدول الخمس الكبرى وألمانيا وتركيا ودول عربية على مبادئ مرحلة انتقالية، كانت محل تأويلات مختلفة، خاصة ما يتعلق بمصير الرئيس الأسد الذي أصبح العقبة الكأداء في أي محادثات لاحقة.

 دي ميستورا أعلن تأجيل المحادثات السورية في جنيف الشهر الماضي لعدم اكتمال شروط نجاحها (الأوروبية)

صراع الأحلاف
ومع الفجوة الكبيرة في المواقف وتشكل حلف وحلف مضاد واعتبار المعركة في سوريا معركة جيواستراتيجية، بدا أن الظروف قد نضجت أميركيا لتوجيه ضربة للنظام بعد أن اتهمته المعارضة بشن هجوم كيميائي كبير على الغوطة الشرقية، لكن اتفاقا روسيا أميركيا في سبتمبر/أيلول 2013 قضى بإتلاف الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية أبعد فرضية إسقاط النظام عسكريا، كما أدخل روسيا لاعبا أول في المسألة السورية.

ومع استمرار القتال استمرت أيضا المساعي الدبلوماسية، وفي يناير/كانون الثاني 2014 (بين 22 و31 منه) عقدت مفاوضات جنيف 2 بين المعارضة والنظام، بضغط من الولايات المتحدة وروسيا، وانتهت دون نتيجة ملموسة، كما عقدت جولة ثانية في 15 فبراير/شباط، أعلن المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي استقالته بعد ثلاثة أشهر بما يشير إلى عقم الحلول السياسية.

وفي 17 أغسطس/آب 2015، يدعم مجلس الأمن الدولي بالإجماع مبادرة للتوصل إلى حل سياسي، تلاها تدخل روسيا المباشر في سوريا وشنه هجمات واسعة على معاقل المعارضة مساندة للنظام.

وبعد شهر من التدخل الروسي، اجتمعت 17 دولة كبرى في العاصمة النمساوية فيينا -بينها روسيا والولايات المتحدة والسعودية وإيران وتركيا- لبحث الحل السياسي في سوريا بغياب ممثلين عن المعارضة والنظام، واتفق المجتمعون على السعي إلى وضع أطر انتقال سياسي، فيما اختلفوا على مستقبل الرئيس بشار الأسد.

وفي اجتماع ثان بفيينا في 14 نوفمبر/تشرين الثاني، توصلت الدول الكبرى إلى خريطة طريق تنص على تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات وعقد مباحثات بين الحكومة والمعارضة بحلول بداية يناير/كانون الثاني 2016 من دون الاتفاق على مصير الأسد أيضا.

وفي التاسع من يناير/كانون الثاني 2016 اجتمعت في الرياض للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في سوريا مكونات معارضة سياسية وعسكرية، شكلت الهيئة العليا للمفاوضات لإجراء المباحثات مع النظام في جنيف.

مجلس الأمن الدولي أيد التفاهم الأميركي الروسي بشأن وقف الأعمال القتالية بسوريا (الأوروبية)

المسار الصعب
وتحرك مجلس الأمن الدولي ليتخذ في 18 ديسمبر/كانون الأول بالإجماع القرار 2254 -بناء على تفاهم أميركي روسي- يحدد خريطة طريق تبدأ بمفاوضات بين النظام والمعارضة في يناير/كانون الثاني، وينص على وقف لإطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية في غضون ستة أشهر وتنظيم انتخابات خلال 18 شهرا، دون أن يشير إلى مصير الرئيس السوري بشار الأسد أيضا.

وبعد سلسلة من التأجيلات أقر اجتماع جنيف لإجراء محادثات بين النظام والمعارضة، لكن  المعارضة السورية المجتمعة في الرياض رفضت المشاركة فيها قبل تطبيق مطالب إنسانية في سوريا، تتعلق بإيصال مساعدات إلى المناطق المحاصرة، ووقف قصف المدنيين، وأعلن المبعوث الأممي الجديد ستيفان دي ميستورا تأجيل المفاوضات، رغم اجتماعه مع ممثلي الحكومة السورية.

وفي استمرار للمساعي الدولية لمحاولة إنجاح جنيف 3 عقد بميونيخ في ألمانيا يوم 11فبراير/شباط مؤتمر ميونيخ الذي ضم مجموعة العمل الدولية حول سوريا بمشاركة 17 دولة لبحث معالجة المشكلات الإنسانية ووقف إطلاق النار.

وضمن التفاهمات الروسية الأميركية، اعتمد مجلس الأمن في 26 فبراير/شباط بالإجماع قرارا مشتركا أعدته الولايات المتحدة وروسيا يدعم اتفاقا حول وقف الأعمال العدائية في سوريا دخل حيز التطبيق يوم السبت 27 فبراير/شباط، وبدأ تنفيذ هدنة في سوريا تفاوتت التقييمات بشأنها، لكن حظيت بتأييد الأمم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة.

ومع قرب جولة مفاوضات جنيف-3، ما زالت الأطراف المتفاوضة تحاول رفع سقف مطالبها السياسية، معتمدة على تفسيرات متباينة حول المقررات السابقة في جنيف1 وفيينا والتفاهم الأميركي الروسي الذي أخرج القرار 2254.

والمحادثات، التي من المزمع أن تستمر عشرة أيام وفي ظروف الهدنة المقبولة عموما لواشنطن وموسكو، ينتظر أن تتجاوز إرث السنوات الخمس الدامية والكثير من الخلافات وعدم الثقة وتضع قطار الحل على سكة الانطلاق.

المصدر : الجزيرة