الحرية في الفكر العربي: أحد المحاور الرئيسية في المؤتمر السنوي الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي يعقد في الدوحة. وفي أولى جلسات المؤتمر تناول كتاب وباحثون محاولات لتحرير الفكر العربي, وتطرقوا في هذا الباب إلى كتابات ومواقف راشد الغنوشي ومنصف المرزوقي.

محمد ازوين-الدوحة

انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة أعمال المؤتمر السنوي الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية, الذي يناقش موضوعين رئيسيين أولهما "سؤال الحرية في الفكر العربي المعاصر"، والثاني "المدينة العربية: تحديات التمدين في مجتمعات متحولة".

وفي كلمة ألقاها اليوم السبت في افتتاح المؤتمر الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة, قال الكاتب الأردني فهمي جدعان إن "الحرية" وأسئلتها لا تزال مثار نقاش كبير على مختلف الصعد بين المفكرين والفلاسفة والسياسيين.

وقدم جدعان خمسة أسئلة رئيسة تستحثها "الحرية" اليوم في الواقع العربي، إلا أنّه تجاوز بعضها كمسألة الرق والعبودية التي ترتبط بتاريخ الرق, والنخاسة التي أصبحت محرمة في القوانين الحديثة جميعها.

ومن أكثر الأسئلة إلحاحا وفق جدعان: "الاستبداد"، فللدولة الوطنية العربية إرث تاريخي ضارب في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية وصّفه عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد بتحول الخلافة الإسلامية إلى "المُلك العَضود", والذي أوجد له فقهاء السياسة الشرعية السند الديني بإلزامية الطاعة, وتحريم الخروج على الحاكم.

واستمر هذا الوضع بعد ذلك طيلة قرون الخلافة حتى وصل إلى العثمانيين، وبعد ذلك نشأت الدولة الوطنية العربية مستندة على استبداد بمرجعية مدنية أو علمانية حديثة.

نقاط مضيئة
وفي جلسة "الحرية في الإنتاج العربي والفلسفي المعاصر" تناول مجموعة من الباحثين النقاط المضيئة للحرية في فكر شخصيات عربية حاولت تحرير الفكر العربي من كل ما علق به من رواسب تتناقض مع الحرية، مثل الشيخ راشد الغنوشي والدكتور منصف المرزوقي اللذين يشتركان في المبدأ ويختلفان في الآليات الموصلة إلى الحرية, كل من خلفيته الفكرية، وفق المشاركين في الجلسة.

 فهمي جدعان قال إنه لا وجود لطاغية عادل (الجزيرة نت)

فبحسب الأستاذ بجامعة صفاقس التونسية الدكتور علي الصالح مولى, يعتمد الغنوشي في بحثه عن الحرية على فكر الواقع والحرية في الإسلام والدعوة إلى التجديد من داخل الثقافة الإسلامية التي بنيت على مبدأ ترسيخ الحريات العامة والخاصة، حيث يرى الغنوشي أن الإسلام هو الذي أسس للديمقراطية بانتهاجه مبدأ الشورى.

كما أن الغنوشي عمل على تحرير الفكر الإسلامي من قيود المدونة الفقهية التقليدية التي علق بها الكثير من رواسب الاجتهاد الذي يتعارض أحيانا مع الحرية، وهذا ما جعل خصوم الرجل يصفون فكره بالفكر المتحرر الباحث عن مرضاة الخصوم على حساب بعض الثوابت التي يختلف الغنوشي في تفسيره لها عن تفسير غيره.

وأجرى الدكتور شاكر الحوكي أستاذ مساعد القانون العام في تونس، مقارنة بين الآليات التي يعتمد عليها الغنوشي والمرزوقي للوصول إلى الحرية، موضحا أن فكر المرزوقي يعتمد في بحثه عن الحرية على مبادئ متناغمة مع العصر ويبني فلسفته على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ العلمانية الغربية المتحررة من كل قيود دينية، بينما تستمد نظرية الغنوشي قوتها من مفهوم الاستخلاف والنصوص الدينية التي عادة تتناقض مع أسس الحرية، على حد وصف شاكر الحوكي.

وخلص الباحثون إلى أن مستوى الحرية لدى الغنوشي والمرزوقي يبرز الجانب المضيء للفكر العربي المعاصر واحتلال الحرية مساحة مهمة منه، إذ ينحصر الاختلاف بينهما في نقاط محدودة مثل الإعدام الذي طالب المرزوقي بإلغائه انطلاقا من مبادئ حقوق الإنسان، بينما بقي الغنوشي محافظا على مبادئ الإسلام في هذا المجال، لأن القِصاصَ من مبادئ العدالة في الإسلام التي هي توأم الحرية.

والغنوشي يرى أن الحرية يجب أن تكون أكبر من الدولة حتّى لا تنهار بانهيارها،  فالحرية هي الضامنة لتماسك المجتمعات وتمنعها من الانزلاق نحو الفوضى في حالة انهيار الدول، بينما يرى المرزوقي أن الدولة يجب أن تكون فوق الجميع، فهي أداة لتحقيق الحرية وليس العكس.

ضعف الحرية
وعلى هامش المؤتمر قال الدكتور فهمي جدعان إن ضعف مستوى الحرية في الفكر العربي المعاصر لا يعود إلى استبداد بالدولة الوطنية العربية الخارجة من الانتداب أو الاستعمار، وليس ظاهرة مبتدعة أو مستجلبة.

ورأى أنه نتاج إرث تاريخي حملته وقائع التاريخ وسوغته الثقافة العربية والتنشئة التربوية والنفسية التي شكّلتها العصبيات القبلية والعسكرية والدينية والسياسية والاقتصادية في الفكر العربي.

وقال إن الحرية أسبق من العدل، وإنه لا وجود لطاغية عادل لأن العدل لا يحتمل أن يجتمع مع نقيضه "الاستبداد"، فالاستبداد ينقض الحرية، والحرية حق طبيعي أساسي لا يمكن لمبدأ العدل أن ينكره.

المصدر : الجزيرة