كانت الطفلة سارة (12 عاما) تحلم بإنهاء دراستها والعمل بالمحاماة أو الطب، لمساعدة والدها لمجابهة الظروف الاجتماعية القاسية، ويقول الوالد "لكن الإرهاب الذي سرق أحلامها لن يستطيع سلب حبنا لهذا الوطن الذي سنواصل فداءه بأرواحنا".

معزّ الجماعي-بنقردان

يعرض تجار الخضر والغلال في السوق الأسبوعية في منطقة بنقردان (جنوبي تونس) بضائعهم، بعد تعطل نشاطهم منذ أيام، ويسارع المواطنون إلى شرائها فرحا بعودة شريان الحياة إلى المدينة التي أسهموا في استردادها وإفشال مخطط كان يهدف إلى احتلالها من قبل تنظيم الدولة الإسلامية.

يتذكر مبروك الموفق والد الطفلة سارة (12 سنة) التي راحت ضحية رصاصة سلاح أحد المهاجمين، أن الخوف انتابه فور سماع دوي الرصاص في البلدة، وقال للجزيرة نت "شعرت بالعجز عن فعل أي شيء، فقد تذكرت أن بناتي وابني الرضيع موجودون في بيتي القريب جدا من الثكنة العسكرية، دون رب عائلة يحميهم".

ويضيف مبروك -الذي يعمل حارسا بمستودع شركة مقاولات- "حيرتي لم تستمر كثيرا، فقد رن هاتفي وسمعت صوت إحدى بناتي تخبرني بأنهم غادروا المنزل خوفا على حياتهم بعد تضاعف أصوات الرصاص".

لم يظن مبروك للحظة أن هروب بناته سيتسبب في فقدان فلذة كبده، ويستدرك قائلا "شعرت بشيء من الطمأنينة وواصلت عملي، قبل العودة إلى المنزل في حدود الساعة السادسة صباحا، وحاول جيراني رفع معنوياتي وعدم إخباري مباشرة بأن ابنتي سارة استشهدت".

تمالك أعصابه واستفسر عن حقيقة ما حدث لابنته، ليكتشف أنها تلقت رصاصة قاتلة في الشارع وهي تحاول البحث عن مكان تحتمي به بعد مغادرة المنزل.

يقول الموفق "لا أنكر أني أشعر بلوعة فراقها، لكنني أفتخر كذلك بتقديم أصغر شهيدة فداء لوطني، لقد أقسمت أن تكون بلادي قبل أولادي".

كانت سارة تحلم بإنهاء دراستها والعمل بالمحاماة أو الطب، هكذا يقول والدها، ويضيف أنها "كانت تطمح إلى العمل من أجل مساعدتي لمجابهة الظروف الاجتماعية القاسية، الإرهاب سرق أحلامها لكنه لن يستطيع سلب حبنا لهذا الوطن الذي سنواصل فداءه بأرواحنا".

ويأمل والد سارة "أن تكون معركة بنقردان درسا للسياسيين من أجل الابتعاد عن الانتهازية والتفكير في مستقبل البلاد قبل المصالح الحزبية".

حامد شقيق لسعد الجريء يحمل نعش أخيه خلال تشييعه (الجزيرة)

بطولة وتضحية
غير بعيد عن هذا المكان، عاشت عائلة لسعد الجريء الذي يعمل أستاذا بالتعليم الثانوي حكاية يؤكد شقيقه حامد أنها "كانت درسا لتنظيم الدولة الذي ظن أن أهالي بنقردان قد يعلنون له بيعتهم والولاء والطاعة".

ويقول حامد إنه كان مع شقيقه وعمه يراقبون ما يحدث، قبل رؤية عدد من "الإرهابيين" يفرون نحو منازلهم.

ويتذكر قائلا "طلبت من لسعد عدم اللحاق بهم فقد كانوا يحملون أسلحة رشاشة، لكنه أصر على أن يركض وراء أحدهم والقبض عليه رغم عدم امتلاكه أي نوع من السلاح، سمعت صرخة دفعتني إلى البحث عن مصدرها، فكانت تشير إلى أن أخي استشهد، بحثت عنه قبل أن أجده جثة هامدة غارقا في دمائه".

فقد حامد عمه وشقيقه دفاعا عن بلدتهم، لكنه يرى أن الدولة التونسية تستحق هذه التضحيات فداء للوطن، ويرى أن حماية هذا البلد مسؤولية الحكومة والمواطنين في الوقت نفسه.

وكان أهالي بنقردان شيعوا الأربعاء الماضي 11 شخصا من المدنيين ورجال الأمن راحوا ضحية اشتباكات دامية بين القوات التونسية وعناصر تنظيم الدولة، ويروي الأهالي أن الجميع شارك في إفشال الهجوم؛ فقد خرج العشرات من أعوان الشرطة غير المباشرين لعملهم آنذاك، حاملين مسدساتهم للمشاركة في القتال إلى جانب زملائهم.

ساحة المغرب العربي وسط مدينة بنقردان (الجزيرة)

سعي للانتقام
ويقول عدد من الأهالي إن أربعة عناصر من التنظيم قدموا إلى أحد أحياء البلدة بحثا عن رئيس فرقة مكافحة الإرهاب "عبد العاطي عبد الكبير". 

ويقول شقيقه حسن إن عبد العاطي لم يمكث بالمنزل أو يهرب إلى مكان آمن، حيث "قرر مواجهتهم رغم غياب موازين القوى، لكنهم تمكنوا من محاصرته واستهدافه بالرصاص قبل أن يرددوا عبارات التكبير بعد التأكد من مقتله".

ويروي حسن أن تفاني شقيقه في العمل ونجاحه في أكثر من مناسبة في القبض على عدد من المتورطين في قضايا إرهابية، جعله هدفا لهؤلاء للانتقام منه.

ويتقاسم أهالي البلدة الشعور بالانتصار على تنظيم الدولة، ويرون أن "استشهاد عدد من أقاربهم لن يمنعهم من مواصلة الدفاع عن وطنهم مهما كانت الضريبة التي يدفعونها من أجل هذا الهدف".

المصدر : الجزيرة