تباينت ردود الفعل إزاء الاتفاق الذي أبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا حول اللاجئين لأوروبا، فهناك من اعتبره استغلالا من المسؤولين لأزمة بشرية لتحقيق مصالح، في حين رأى البعض في الاتفاق سبيلا للتخفيف عن اللاجئين ترافق معه تحقيق مصالح لدول.

خالد شمت-برلين

أثار اتفاق الاتحاد الأوروبي وتركيا الاثنين الماضي لحل أزمة اللجوء الراهنة أسئلة مفتوحة عن انعكاساته على ألمانيا خاصة سياستها تجاه اللاجئين الذين فتحت حدودها لاستقبالهم الصيف الماضي.

وتراوحت ردود الفعل على هذا الاتفاق بين الترحيب والتحفظ والانتقاد من قبل تيارات سياسية وحقوقية ألمانية، وتوقع خبيران سياسيان بالمقابل أن يكون للاتفاق بين بروكسل وأنقرة تأثير إيجابي على أوضاع اللاجئين بألمانيا وشعبية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والعلاقات الألمانية التركية.

ونصت مسودة الاتفاق على استعادة تركيا طالبي اللجوء الذين وصلوا بطريقة غير نظامية لليونان بما في ذلك السوريون، مقابل أخذ الاتحاد الأوروبي لاجئا سوريا من المخيمات التركية مقابل كل مهاجر تستعيده أنقرة من اليونان.

المدهون اعتبر أن الاتفاق التركي الأوروبي سينعكس إيجابيا على حياة اللاجئين بألمانيا (الجزيرة نت)

تبعات عسكرية ومالية
وطالبت تركيا الاتحاد الأوروبي بمضاعفة مساعدتها لاستيعاب 2.7 مليون لاجئ سوري من ثلاثة إلى ستة مليارات يورو حتى 2018، وإلغاء 72 شرطا مطلوبا من مواطنيها أن يستوفوها للحصول على تأشيرة دخول للاتحاد بنهاية يونيو/حزيران القادم، وتسريع مفاوضات شروط انضمامها للاتحاد.

وجاء أول تعليق على الاتفاق من منظمة برو أزيل الحقوقية الألمانية التي وصفت الاتفاق بالمقترحات الشيطانية المتلاعبة بحياة البشر من خلال التلاعب بمصائر إرتيريين هاربين من قمع نظام عسكري، وعراقيين فارين من الحرب، مقابل حياة لاجئين سوريين.

وقال الأمين العام للمنظمة غونتر بوركهاردت في تصريحات للجزيرة نت، إن هذه المقايضة لا أخلاقية ومخالفة للقانون وتهدد بإلغاء الحق الفردي في اللجوء.

وتوقع بوركهاردت أن يؤدي الاتفاق إلى تعزيز مشاركة ألمانيا مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) ووكالة حماية الحدود الأوربية (فرونتيكس) في مكافحة المهربين في المياه البحرية التركية، وطالب دائرة المستشارية ووزارة الدفاع الألمانيتين بتوضيح جوانب المشاركة العسكرية الألمانية في هذه العمليات، واعتبر أن إيقاف قوارب طالبي اللجوء الباحثين عن حماية في البحر مخالفٌ للقانون الدولي.

من جانب آخر كشفت صحيفة بيلد الشعبية الألمانية أن مساهمة ألمانيا في مساعدات تركيا سترتفع من 427.5 مليون يورو إلى 856 مليونا.

وتعليقا على الاتفاق الأوروبي التركي، اعتبر الباحث بقضايا الهجرة واللجوء بجامعة كولونيا الألمانية لؤي المدهون أن من الطبيعي تحمل ألمانيا الجزء الأكبر بمبلغ المساعدات الأوروبية لتركيا في ضوء رفض الدول الأوروبية الكبيرة مثل فرنسا وبريطانيا المساعدة، وضعف الصغيرة ماليا، واتفاق الجميع على أن أزمة اللاجئين هي قضية ميركل.

وتوقع المدهون خلال حديث للجزيرة نت، أن مردودات إيجابية للاتفاق ستلمس على أوضاع اللاجئين بألمانيا، وسيساهم في تسريع الحكومة الألمانية في تسجيل طالبي اللجوء والبت بطلباتهم، وتنفيذها مشروعات مكثفة لاندماجهم بالمجتمع وسوق العمل.

شتاينباخ: ميركل فرضت بالاتفاقية رؤيتها لحل أوروبي لأزمة اللجوء (الجزيرة نت)

ألمانيا وتركيا
ومن جانب آخر، طالب رئيس وزراء ولاية بافاريا الجنوبية هورست زيهوفر -المعروف بمواقفه المعارضة لسياسة المستشارة ميركل في مسألة اللجوء- بعدم تجاوب الأوروبيين مع المطالب التركية.

وهدد الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري الذي يتزعمه زيهوفر بمقاومة أي توجه بالاتحاد الأوروبي لإعفاء الأتراك من تأشيرة دخول أوروبا، أو تسريع مفاوضات عضويتهم في الاتحاد.

بالاتجاه المعاكس، أشاد وزير الداخلية الألماني توماس ديميزير بدور تركيا الكبير في المواجهة الإنسانية لتداعيات أزمة اللجوء، ودعا في تصريحات لصحيفة نوي باساوا إلى شكر تركيا والاعتراف بدورها المستحق للثناء الكبير بدلا من نقدها.

وبكلمات مماثلة، قال وزير دائرة المستشارية ومنسق ملف اللاجئين بالحكومة الألمانية بيتر ألتماير في تصريحات صحفية إن تركيا أكثر ديمقراطية من دول أوروبية.

ورأى الخبير الألماني بقضايا العالمين العربي والإسلامي البروفيسور أودو شتاينباخ أن تصريحات ديميزير وألتماير تعكس نقلة نوعية متنامية في علاقات برلين وأنقرة، وإدراك القسم الأكبر من النخبة السياسية الألمانية أهمية تركيا الجيوإستراتيجية ودورها المهم في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وتوقع شتاينباخ إسهام الاتفاق في زيادة شعبية ميركل بشكل كبير، وأوضح أن ميركل نجحت في فرض رؤيتها للحل الأوروبي لأزمة اللاجئين رغم رهان أعدائها داخليا وخارجيا على إفلاسها.

ويتفق الباحث لؤي المدهون مع ما ذهب إليه شتاينباخ، مشيرا إلى أن المستشارة نجحت من خلال الصفقة الأوروبية مع تركيا في تهدئة معارضي سياستها للجوء داخل حزبها المسيحي الديمقراطي، وإقناعهم بأن الحزب لا يملك بديلا لشخصيتها الكاريزمية إن أراد تحقيق الفوز في الانتخابات البرلمانية القادمة.

المصدر : الجزيرة