تلفظهم أوروبا يوميا وتعيدهم أدراجهم، لكن أحلامهم لمّا تذبل بعدُ، ولا يزال الأمل يحدوهم لركوب الموج من جديد. إنهم المهاجرون المغاربة الذين يستدينون ويغامرون من أجل وضع أحسن لا يلوح له أفق لو ظلوا في أحضان الأهل والوطن.

شادي الأيوبي-أثينا

في أحد مقاهي أثينا يجلس زهري عبد الرحيم مع شابين وصلا حديثا إلى اليونان، يناقش معهما أحوال المغاربة الذين تسعى اليونان لإرجاعهم إلى بلدهم وأحوال من عادوا منهم بالفعل.

فقد اتفقت الدول الأوروبية على اعتبار أن المهاجرين المغاربة وآخرين من جنسيات مختلفة لا يحق لهم الحصول على اللجوء السياسي في أراضيها، وأن عليهم العودة إلى بلادهم.

لكن معظم هؤلاء لا يريدون الرجوع إلى بلادهم والعودة الى نقطة الصفر، بعدما وصلوا إلى أرض الأحلام الأوروبية وبعدما أنفقوا أموالا كثيرة للوصول إليها.

يقول عبد الرحيم وهو نائب نائب رئيس الجالية المغربية في اليونان إن نسبة 90% من الشباب المغاربة الذين يصلون حديثا إلى اليونان يعيشون في ظروف كارثية. وهم ينامون في الشوارع دون مساعدة أو عناية طبية، باستثناء ما يقدمه لهم النشطاء اليونانيون.

ويضيف للجزيرة نت أنه رغم وصول معلومات عن أحوال المغاربة في اليونان والدول المجاورة لها، لا يزال حب المغامرة يدفع المزيد من الشباب للقدوم إلى هذا البلد ليجربوا حظهم بأنفسهم.

ويتابع "يعتقد هؤلاء أنه "طالما أنت تعيش في أوروبا فلا يزال هناك متسع لقدوم المزيد، متناسين أنك موجود هنا منذ ثلاثين سنة أو أكثر".

إغلاق المستقبل
وأوضح أن 90% من المغاربة الذين يدخلون اليونان يأتون عن طريق التهريب، وهؤلاء كانوا يذهبون إلى إيطاليا قبل إقفال الحدود، أما اليوم فلا مستقبل لهم، حسب رأيه.

وقال إن أعمار القادمين تتراوح بين 15 و50 عاما، وبعض هؤلاء لديهم أعمال جيدة في المغرب، لكنهم يرغبون بتحسين أوضاعهم، كما أن هناك موظفين يرغبون في تحسين أوضاعهم كذلك. ويلفت إلى أن بعضهم لم يغادر مدينته من قبل، كما أن مستواهم الدراسي منخفض ولا يتقنون لغة أجنبية.

واعتبر أن معظم المغاربة في اليونان لا يريدون العودة إلى بلدهم بسبب الديون التي تراكمت عليهم لتغطية تكاليف السفر، التي تتراوح بين 1500 و5000 يورو، ولذا فإن الذين يعودون منهم يعيشون ظروفا أسوأ مما كانوا عليه من قبل بسبب تلك الديون.

أحد الشباب المغاربة في مركز استضافة للاجئين باليونان (الجزيرة)

استعداد للمغامرة
أما عبد الله، فقد جاء عن طريق تركيا قبل أربعة أشهر ودفع حتى اللحظة ما يعادل 4000 يورو استدان نصفها من جيرانه، ومنذ قدومه إلى أثينا جرب السفر إلى إيطاليا مرات ولم ينجح.

يقول عبد الله للجزيرة نت إنه كان يعمل بائع ملابس متجولا في بلده، لكنه لم يستطع الاستمرار، حيث لم يكن لديه ترخيص للعمل. ويؤكد أنه لا يمكن أن يعود إلى المغرب بأي حال، لأن عليه تسديد ديونه أولا.

وعن المغاربة الذين عادوا إلى بلادهم, قال إنهم سرعان ما ينفقون المبلغ الذي تعطيهم إياه منظمة الهجرة العالمية (400 يورو) ويبدؤون من جديد في البحث عن عمل، مؤكدا أنهم يندمون بشدة على خيارهم.

واعتبر أن الكثير من الشباب لا يزال مستعدا للمغامرة بالمجيء إلى أوروبا رغم معرفته بمأساوية الأمور فيها، وذلك بسبب الضيق الذي يعانونه في بلادهم.

ويوضح إسماعيل (22 عاما) أنه كان يعمل في صناعة الحلويات ويتقاضى حوالي 800 يورو شهريا، "وهو مبلغ جيد"، لكن وجود شقيقين له في إيطاليا دفعه للمغامرة، رغم أنهما كانا يطلبان منه البقاء في المغرب.

إسماعيل كان أفضل حظا بكثير من مئات الشباب المغاربة الذين وصلوا إلى اليونان، فقد استضافه عبد الرحيم، بعدما اكتشفا أن شقيقته الأخير جارة لأسرة الأول في المغرب.

يؤكد إسماعيل للجزيرة نت أنه لن يتقدم بطلب لنيل اللجوء السياسي في اليونان، بل سينتظر صدور قانون جديد لتسوية أوضاع المخالفين في البلد، كما أنه يرفض في الوقت نفسه فكرة العودة إلى بلده.

المصدر : الجزيرة