حاوره محمد أمين

تحدث إبراهيم منير نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين عن الملفات الإخوانية الداخلية وحقيقة الأزمة التي تعصف بالجماعة، والتي تقوم على وجود تيار شبابي يريد التأسيس لنهج جديد أو جماعة جديدة، مقابل مكتب الإرشاد الذي يقود الجماعة قبل انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 وحتى الآن.

وقال منير في حوار خاص مع الجزيرة نت إن خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخير دليل واضح على أن الرجل مرعوب وبات خائفا ويخشى من جهات داخل الدولة العميقة ذاتها.

 ما تقييمك للوضع العام في مصر؟

بشكل عام مصر في أسوأ حالاتها، السيسي ضيع حقوق مصر في المياه، والغاز المصري تم التنازل عنه لليونان وقبرص وإسرائيل، والأحوال الاقتصادية سيئة في ظل توغل الأمن والجيش وانقسام المجتمع، وهذه كلها مؤشرات غاية في السوء، إضافة للحرب المستمرة في سيناء والتي تدخل عامها الثالث، والسياحة متوقفة ولا تدر إلا 10% مما كانت تدره في السابق، مع فشل مشروع التفريعة الذي أهدرت فيه أموال المصريين.

 رغم كل هذه المؤشرات، ألا يبدو غريبا أن الشعب لا يريد مغامرة جديدة تسقط فيها الدولة؟

هذا صحيح إلى حد كبير، ونحن لا نريد إسقاط الدولة ولا الشعب يريد ذلك، ولكن سياسة النظام ستدفع الشعب إلى القيام بثورة جديدة تؤدي إلى تغيير النظام بكامله لا رأسه فقط.

 ما مصداقية ما قيل من قبل من أن هناك جهات بالجيش غير راضية عن الانقلاب وقد تتحرك ضد السيسي؟

 هناك فرق بين الخلاف بين رافضي الحكم العسكري وداعميه، وبين الخلاف الجاري الآن والذي هو داخل معسكر العسكر ذاته. صحيح ليس هناك خلاف بين أنصار الدولة العميقة على أن تحكم مصر بالحكم العسكري، لكن يوجد عدم رضى في الدولة العميقة عن شخص السيسي ومشاريعه الفاشلة وارتجاله، ولأنه بالتأكيد لم ينجح في تحقيق ما كانوا يريدونه، فقد عادت مرة أخرى دولة الرئيس المخلوع حسني مبارك ورجاله بمقابل العسكر ومغامرات السيسي.

 ماهي الخلافات بين دولة مبارك ودولة السيسي أو العسكر؟

دولة مبارك قامت على منافع اقتصادية بحتة، أما الآن فلا توجد أي فرص لتحقيق منافع تذكر، فالسياحة دمرت والمصانع تغلق، والانكماش الاقتصادي شديد، ورؤوس الأموال هربت، علاوة على أن الأداء الفاشل للسيسي يجعل الدولة العميقة ترفض وجوده شخصيا.

 ما أبرز ملاحظاتك على خطاب السيسي؟

أولا شعوره بالقلق، كما أن الخطاب موجه لجهة لا يعلمها الناس، ولأول مرة لا يوجه خطابه للإخوان المسلمين، والأمر الآخر طريقة الكلام "اسمعوني أنا ولا تسمعوا من غيري ". من هو الغير؟ الخطاب جسد الموقف الأخير للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي في أزمته، خطاب فيه نوع من الهزل أكثر من الجد لم يقدم فيه شيئا جديدا، هو خطاب الخائف المرعوب.

 ولمن كان يوجه حديثه باعتقادك؟

لجهة هو يعلمها غير راضية عنه وقد تكون داخل الجيش نفسه أو المؤسسة الأمنية أو رجال الأعمال بدولة مبارك ممن دعموه.

 ما سر إصراره على التغريد خارج السرب الخليجي رغم أزمته الاقتصادية والحاجة للدعم؟

السيسي لا يملك أي قرار تجاه سياساته الخارجية، وهي تملى عليه من الخارج.

 نقل عنك المطالبة بدور أممي، هل هذه دعوة لتدويل الأزمة المصرية؟

ما قلته سابقا هو أن على المجتمع الدولي أن يتحرك. وأحرار العالم والأمم المتحدة لهم دور، والأزمة المصرية مثل أي أزمات أخرى من الواجب التدخل فيها عبر المحكمة الجنائية الدولية، والإقرار بأن ما جرى في مصر انقلاب وتجب محاكمة قادته على جرائمهم. نحن لا نستدعي جيشا للتدخل أو نطالب بحصار من أي نوع لأهلنا وشعبنا في مصر، ولكن التدخل الذي نريده هو حصار السيسي ونظامه كقائد انقلاب.

 لماذا لا تذهبون للحوار في ظل فشل الشارع في إسقاط الانقلاب؟

استمرار الشارع هو دليل على فشل الانقلاب، والنظام العسكري جاء لمسح جماعة الإخوان من الوجود، فالحوار معه مستحيل، كما أن القضاء كله يحكم بأحكام باطلة، ولا يوجد في مصر عقب القضاء على القوى الثورية الأخرى إلا معسكر الجيش والأمن والقضاء غير العادل، ومعسكر الإخوان وإن ضعف حاليا. وأرجو من القوى الثورية أن توحد كلمتها فمصر لنا جميعا وليست لفصيل.

 الأزمة الإخوانية-الإخوانية، أين هي الآن؟

خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي كانت الآمال والأحلام كبيرة باستمراره، فجاء الانقلاب ليدفن هذا الحلم، ويتسبب بانتكاسة لدى الكثيرين، إضافة للقتل في رابعة والنهضة. كل هذا أوجد صدمة كبيرة أنتجت هزة فبدأ الانشغال بالداخل وارتدت الصدمة كمحاولة لجلد الذات داخل جماعة الإخوان بين معسكرين يتبادلان الاتهامات. وأنا أقول إن الكل كان مساهما، والكل يتحمل المسؤولية. وتحديد المسؤول عن هذه الفترة ليس عدلا، في حين أن المسؤولين الذين أداروا العمل السياسي كلهم في السجون. بعض الشباب ممن لم يشهدوا التجارب السابقة يتصورون أن الجيل القديم الذي قاوم عبد الناصر وغيره لم يكن ناجحا، وهذا غير صحيح. وبالتالي فإنهم يرون أن مناهضة الانقلاب الحالي تتطلب نهجا مختلفا، ولكن الجماعة ترى غير ذلك، وهذا هو محور الخلاف.

 هل الأزمة أزمة شباب وشيوخ؟ أم عنف ولا عنف؟

 الأمر الذي ينساه الكثير من إخواننا أن الجماعة حركة دعوية شعبية، والتكليف فيها لمن أعطاها البيعة ويشمل كل ما يستطيع الأخ أو الأخت القيام به من جهد، وليس هناك تمييز بين شاب وشيخ، فالجماعة لها برنامج ومبادئ ليست لها علاقة بالعمر. والأصل هو الالتزام الكامل بمنهاج الجماعة ومبادئها التي عبر عنها مرشدها الدكتور محمد بديع "سلميتنا أقوى من الرصاص".

إذن ماهي أسباب الخلاف؟

البعض يريد بناء جماعة جديدة، وينسى أن هناك خمسين ألفا في السجون والآلاف خارج البلاد. دائما كان هناك اندماج فئة الشباب مع من هم أكبر منهم سنا بتواصل الأجيالٍ، والتوريث الصحيح للدعوة مستمر ومتواصل. ولا ينكر أحد أن لكل جيل اجتهاداته ومعارفه وظروفه. وأخشى أن يتسرب الإحساس بأفضلية جيل على جيل نتيجة كثرة ترداد مثل هذه التعبيرات، فنفقد بركة الأخوة الصحيحة ونفقد معها التكريم الإلهي الذي مدح المولى سبحانه وتعالى أصحابه في سورة الحشر "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم".

 لماذا تنكرون وجود أزمة حقيقية وصراع على السلطة والقيادة؟

لا أنكر أن هناك أزمة، ومن غير المتصور أن تحدث حادثة مثل الانقلاب العسكري وما تلاه من مذابح رابعة والنهضة وغيرها والقتل في الشوارع والاعتقالات ثم لا تحدث أزمة. فنحن في النهاية بشر، ولكن تعبيرَ "صراع على السلطة والقيادة تعبير غير صحيح، والصحيح أنه في ظل المطاردات واعتقالات الصفوف الأولى من الجماعة لا بد أن يحدث نوع من الارتباك حتى تنتهي الجماعة من إعادة تنظيم صفوفها. والكل يعلم أن المسؤولية والقيادة في مثل هذه المراحل لها ثمنها وتضحياتها. أما بعض الإخوة الذين يخرجون بلائحة للعرض المجتمعي، وهم في "غرف ناعمة هادئة" خارج مصر، فهذه هي "النيران الصديقة". كما أن استخدام الإعلام في تضخيم الخلافات أمر غير صالح.

 الأزمة الأكبر هي في الداخل، كيف تتعاملون معها؟

 الخارج ليس له دخل في سياسة الداخل، لكن هناك قائم بالأعمال هو الدكتور محمود عزت نائب المرشد، وفي مثل هذه الأوقات الصعبة لا يمكن القول إننا سنسير باللائحة. فأي معركة يدخلها أي جيش إذا اعتبرنا أن هذه معركة والإخوان جيش من حق القائد في أثناء المعركة أخذ قرارات خاصة لا يجب أن تتفق مع اللوائح، ومحمد منتصر صدر قرار بإيقافه عن العمل من القائم بالأعمال ولا بد أن يلتزم به. وجميعنا نلتزم به، ومرة أخرى القائم بالأعمال يتحرك في إطار شوري، وعزت موجود في مصر والناس يتواصلون معه.

ولكن محمد منتصر منتخب؟

الأخ محمد منتصر كان معينا لتأدية مهمة ولم يكن منتخبا، و كان مجلس الشورى قد طلب من أعضاء مكتب الإرشاد اختيار لجنة لتعاون المكتب في أداء مهامه قبل اعتقالهم، وهي ليست بديلة عن مكتب الإرشاد، فطبيعة المحن لا يمكن أن تدار فيها الجماعة بالشكل العادي، فتجري انتخابات وكأن الوضع غير استثنائي.

 من يدير الجماعة الآن أو ما هي القيادة التي تعتبرها شرعية؟

القيادة الشرعية الآن هي القائم بالأعمال بالداخل الدكتور محمود عزت ومساعده الدكتور محمد عبد الرحمن أحد أعضاء مكتب الإرشاد.

 وهل الباقون مقالون؟

ليسوا مقالين بل موقوفين نتيجة قرارات لجنة التحقيق بسبب خروجهم عن نهج الجماعة.

 بصراحة البعض يرى أن انفجار هذا الخلاف مؤشر واضح على فشل الجماعة في مواجهة الانقلاب، ما تعليقكم؟

أنا لا أعترض على أي توصيف بهذه الصورة، ولكن هل الجماعة انتهت في مصر؟ قطعا لا، فالجماعة مستمرة في معارضتها لسلطة الانقلاب، ونتيجة لصمودها بدأ داعمو الانقلاب ينفضون عنه. ونتيجة لحراك الشعب المصري المستمر منذ أكثر من عامين الذي تشارك فيه الجماعة في داخل وخارج مصر وجهود أبنائها في المحافل القانونية والدولية، فقد انحسرت سلطة الانقلاب وأصبحت تتحرك في دائرة ضيقة مهتزة تمهيدا لسقوطها إن شاء الله مع إدراكنا أن الصراع قد يمتد.

ما مصير مبادرة الدكتور يوسف القرضاوي لحل الأزمة الإخوانية؟

 الجماعة رحبت بها وأرسل الدكتور محمود عزت رسالة بارك فيها المبادرة، لكن إجراء انتخابات من الناحية العملية ليس أمرا سهلا في ظل الظروف القائمة الآن.

وإشارة القرضاوي إلى لائحة جديدة تجري على أساسها انتخابات جاءت متفقة مع رؤية الجماعة، لكن الكل يدرك أنه في وقت المحنة التي تعيشها الجماعة الآن، فهي تحتاج إلى ضوابط لا تحتمل أي خلاف لإدارة المرحلة.

وهذا لا يمنع من الاجتهاد للوصول إلى الأحسن والأكمل ولكن دون أن يكون مدخلا للاختلاف والفرقة. ومع حسن الظن الذي يتكامل مع واجب سعة الصدر، فالأمر مرفوض ويزداد الرفض بعد إقدام البعض على طرح الأمور للحوار المجتمعي دون إذن من نائب المرشد والقائم بعمله الأخ محمود عزت، بما يظهر أن الجماعة قد انقسمت قسمين: متحجر ومنفتح، وهو أمر غير صحيح. فالطرح المجتمعي قد يأتي في مجال وضع الدساتير للدول إذا لم تنفرد بها المجالس النيابية المنتخبة، أما أن يكون للائحة داخلية لحزب أو هيئة أو جماعة فهو أمر غير معهود.

 ما ردكم على من يقول إن مكتب الإرشاد يحتكر المال والقرار، ويرد اسمك شخصيا في هذا الاتهام؟

هذا الكلام غير حقيقي، ومالنا مال قليل وما يتم جمعه من جيوب إخواننا الكل يراعي فيه أمر الله، وقد تحدث أخطاء لكن غير متعمّدة وإذا حدث خطأ يتم إصلاحه. أما الحديث عن أن الجماعة تستخدم المال لشراء الولاء فهذا أمر مرفوض وحساب من يقوله أمام الله، وهو أمر معيب في ظل وجود 50 ألف أسرة في أزمة تعاني من الابتلاء وتزداد معاناتها بما يدعيه البعض افتراء وكذبا.

عقب التضييق البريطاني، ثمة مشروع أميركي لتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، كيف تنظرون للأمر؟

في بريطانيا لا يوجد أي تغيير ولا تضييق علينا، والآن فقط هناك مراقبة لأعمال جماعة الاخوان، ولم يتغير أي شيء، فنحن لا نعمل ضد القانون. أما موضوع أميركا فسياسي بحت وما زال حتى الآن مجرد مقترح في اللجنة التشريعية لا بد أن يمر بمراحل كبيرة.

 إلى أين يتجه الوضع في مصر حسب تقديرك؟

الأزمة الأمنية تزداد وقد تكون هناك ثورة جياع لكن لا أعرف متى، والمجموعة المعارضة للسيسي من الدولة العميقة في تضاعف، وهناك قلق أميركي من سقوط مصر، وكل السيناريوهات مفتوحة.

المصدر : الجزيرة