جاءت زيارة السياسي الأميركي المخضرم هنري كيسنجر لموسكو مطلع الشهر الجاري بهدف تخفيف حدة التوتر بين البلدين، في ظل الخلاف الكبير في عدة قضايا أبرزها المسألتين الأوكرانية والسورية، ويعتمد كيسنجر على دوره القديم في نزع فتيل التوتر بين البلدين.

إفتكار مانع-موسكو

يرى مراقبون أن زيارة وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر لموسكو حملت رسائل مهمة للقيادة الروسية، وقد تسهم في تخفيف حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، لا سيما أن كيسنجر -الملقب بعراب السياسة الأميركية- تنظر إليه موسكو بإيجابية كشخصية أسهمت في الماضي في تجاوز الأزمات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وكان كيسنجر زار موسكو في مطلع الشهر الجاري على رأس وفد شارك في جلسة الحوار الروسية الأميركية غير الرسمية.

وفي تقييمه للأوضاع الراهنة، نشر كيسنجر مقالة في صحيفة ناشيونال إنترست في الرابع من الشهر الحالي تناول فيها المستوى الحرج الذي وصلت إليه العلاقات الروسية الأميركية، وحالة انعدام الثقة، والندية التي أعادت مناخ الحرب الباردة.

ودعا لتشكيل منظومة عالمية جديدة متعددة الأقطاب، تراعي التوازنات الجديدة، ما من شأنه إنهاء الاضطرابات والتوترات الحالية.

ورأى كسينجر -في مقالته- أن روسيا عنصر رئيسي في أي توازن عالمي جديد، بخلاف ما تردد بأنها الخطر الرئيسي والمطلق الذي يهدد الولايات المتحدة، وعبّر عن قناعته بأن التنسيق بين موسكو وواشنطن كفيل بإيجاد حلول سياسية للأزمة السورية بعد فشل الأطراف المحلية والإقليمية، والأمر كذلك ينسحب على أزمة أوكرانيا التي يمكن حلها بدمج أوكرانيا في منظومة الأمن الأوروبي؛ لتصبح جسرا يربط بين روسيا والغرب كما يرى كيسنجر.

ويعد كيسنجر من دهاة السياسة العالمية، وشغل منصب مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي، وكان من دعاة تخفيف التوتر بين أميركا والاتحاد السوفياتي.

ووصفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالصديق القديم، والتقاه في جلسات خاصة أكثر من عشر مرات في أوقات مختلفة.

إيشينكو: الإدارة الأميركية أرادت أن تعيد إنتاج ما قدمته سابقا من خلال كيسنجر (الجزيرة نت)

لا جديد
وتعليقا على زيارة كيسنجر لروسيا، رأى رئيس مركز التحليل والاستقراء رستسلاف إيشينكو أن كسينجر بوصفه شخصية اعتبارية غير رسمية نقل رسائل للقيادة الروسية، ذلك لأن العديد من جولات الحوار بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري والقيادة الروسية قوبلت برفض موسكو للمقترحات الأميركية بشأن العديد من القضايا، لا سيما المتعلقة بسوريا وأوكرانيا.

لذا ارتأت الإدارة الأميركية أن تعيد إنتاج ما قدمته سابقاً من خلال كيسنجر، ولكنها هذه المرة مغلفة بعبارات المدح والثناء لروسيا كدولة عظمى، وعنصر أساسي في قيادة المنظومة العالمية الجديدة.

وأضاف إيشينكو أن حاجة واشنطن لتهدئة التوتر مؤقتة، لحين الانتهاء من الانتخابات الأميركية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ومهمة كسينجر تدخل في إطار الحاجة للتوصل إلى بعض التفاهمات مع موسكو خارج الإطار الرسمي والدبلوماسي، ليسهل التنكر لها والعدول عنها لاحقا.

ولفت إيشينكو لوجود نقاط خلافية كثيرة بين الجانبين، فمثلا روسيا ترفض مقترح ضم أوكرانيا للمنظومة الأمنية الأوروبية كما يطالب الغرب، لكنها في المقابل مستعدة للتعاون لمنع امتداد الاضطراب والخطر الأوكراني للجوار، هذا بالإضافة للخلافات حول الأزمة السورية والدور الروسي فيها.

غوسيف: كيسنجر كان له دور كبير في تخفيف التوتر بين أميركا والاتحاد السوفياتي (الجزيرة نت)

ازدواجية الخطاب
أما رئيس مركز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية ألكسندر غوسيف فقد لفت إلى أن كيسنجر كان له دور كبير في تخفيف التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في سبعينيات القرن الماضي، ونظرته للدور الروسي في العالم تعكس فهما عميقا لأبعاد التوتر الدولي الراهن، وما قد ينجم عنه.

وأضاف غوسيف أن أميركا تتبع خطابا سياسيا مزدوجا، فهناك أصوات أميركية تدعو لتفعيل الحوار الأميركي الروسي، والعمل على إيجاد نقاط التقاء.

وفي المقابل تصدر تصريحات من أعلى هرم السلطة ترى أن روسيا عامل تهديد أساسي للأمن الأميركي والأوروبي، في حين تواصل واشنطن نشر منظومات الدفاع الصاروخية في أوروبا وإقامة قواعد عسكرية قرب الحدود الروسية مع إستونيا، وفي العديد من دول أوروبا الشرقية.

وبالحديث عن التوتر الذي يخيم على العلاقات بين البلدين أعاد غوسيف إلى الأذهان اللقاء الذي جرى بين وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيرته الأميركية هيلاري كلينتون عام 2009 عندما قاما بالضغط على "زر" إيقاف التوتر كإجراء رمزي يعبر عن وضع حد للعلاقات المتأزمة بين البلدين، لكن سرعان ما عادت الخلافات مجددا إلى سابق عهدها.

المصدر : الجزيرة