افتكار مانع-موسكو

تخطو كل من موسكو والقاهرة خطوات حثيثة نحو التقارب، وبدا ذلك واضحا بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم. واتخذ هذا التقارب أبعادا مختلفة تصل إلى حد الشراكة الإستراتيجية، في رأي بعض المحللين.

ووقعت كل من روسيا ومصر مؤخرا بالقاهرة بروتوكول تعاون خلال الدورة العاشرة للجنة المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والفني، وترأس الدورة من الجانب المصري وزير التجارة والصناعة طارق قابيل ومن الجانب الروسي وزير الصناعة والتجارة دينيس مانتوروف.

وتضمن بروتوكول التعاون خمسة عشر بندا في مجالات التجارة والصناعة والاستثمار بالإضافة إلى الري والاتصالات والطاقة والصحة والسياحة.

ومن أبرز المشاريع التي تم الاتفاق عليها، إنشاء منطقة صناعية روسية على مساحة مليوني متر مربع بشرق بورسعيد، وتقوية وحماية السد العالي، وإنشاء محطات توليد كهرباء من الطاقة الذرية، بالإضافة إلى تزويد مصر بطائرات مروحية روسية.

وتأتي الاتفاقات الموقعة بعد لقاءات عديدة عقدها مسؤولون من البلدين، كما أن الرئيس السيسي زار رسميا موسكو ثلاث مرات منذ توليه الرئاسة في يونيو/تموز 2014، واستقبلته بحفاوة بالغة.

توازنات إقليمية جديدة
يرى المحلل السياسي قسطنطين سوكولوف أن العالم يشهد تغييرات جذرية ويمر بمرحلة إعادة تشكيل للتحالفات فرضتها النزاعات والتناقضات، والمنطقة العربية تشكل ساحة صراع وتنافس رئيسية بين القوى الكبرى، وهذا كله أوجد توازنات جديدة للقوى في المنطقة.

سوكولوف: لا يمكن للقاهرة الذهاب بعيدا عن حدود السياسة الأميركية (الجزيرة)

وأوضح سوكولوف في حديثه للجزيرة نت، أنه فيما يتعلق بالمنطقة العربية تحديدا كانت هناك حالة من الاستقطاب تجري في السابق حول محورين رئيسيين وهما محور الاعتدال ومحور الممانعة، لكن الربيع العربي أحدث هزة واختلالات في هذه التركيبة، مما استوجب إعادة صياغة المشهد من جديد، والتقارب المصري الروسي يدخل في هذا الإطار.

واستبعد المتحدث أن تكون العلاقة بين موسكو والقاهرة وصلت إلى مستوى التحالف الإستراتيجي نظرا لعلاقة القاهرة الوثيقة بالولايات المتحدة، وعدم إمكانية ذهابها بعيدا عن حدود السياسة الأميركية، معتبرا أن التقارب مرحلة التقت فيها المصالح السياسية للجانبين لوجود توافق في الرؤى حيال عدد من القضايا الدولية والإقليمية، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن توقيع اتفاقيات التعاون بين الجانبين خطوة إيجابية لكن تنفيذها يحتاج لسنوات.

حاجة متبادلة
وتعتبر الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط يلينا سابونينا أن العلاقات الروسية المصرية تمر بمرحلة جديدة نوعيا، بدأت بعد تسلم عبد الفتاح السيسي الحكم بمصر، وتوضح أن هناك عوامل عدة ساهمت في حدوث التقارب ومن أبرزها كون مصر دولة محورية ومؤثرة، ووجود تطابق كبير في مواقف البلدين حيال العديد من القضايا، لا سيما النزاع في سوريا والتدخل العسكري الروسي لمكافحة "الإرهاب".

كما تؤكد أن هذه مسألة مهمة جدا بالنسبة لموسكو، وتلفت إلى أن مصر يمكنها أن تلعب دورا في حل الأزمة السورية عبر علاقاتها الجيدة مع أطراف في المعارضة السورية.

وبالنسبة للعلاقة بين البلدين فإنها ترى أن لها أبعادا اقتصادية هامة للجانبين. فروسيا ترى مصر مهمة لأن العلاقة معها تفتح آفاقا واسعة للتعاون في مجالات التسليح والطاقة والتكنولوجيا، ومصر بحاجة ماسة لهذا كله، بالإضافة لكونها سوقا استهلاكية كبيرة.

وأوضحت الخبيرة أن روسيا ترى أن مصر يمكنها أن تصبح موردا رئيسيا للمواد الغذائية كبديل للمنتجات الأوروبية، في وقت تحتاج القاهرة لموسكو كحليف داعم لنظام السيسي وضمان موازنة العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة والغرب.

كذلك فإن مصر يمكن أن تعتمد على روسيا لتنفيذ ما تحتاجه من مشاريع تنموية بقروض ميسرة تراعي وضع الاقتصاد المصري، مما يعزز وضع السيسي الداخلي غير المستقر. وتشير الخبيرة إلى أن فتور العلاقة بين موسكو والقاهرة بعد حادثة سقوط طائرة الركاب فوق سيناء لن يؤثر على نظرة روسيا لمصر بوصفها شريكا إستراتيجيا، واستمرار التنسيق السياسي معها.

المصدر : الجزيرة