محمد بنكاسم
 
منذ اندلاع الحرب السورية قبل خمس سنوات، أُبرمت العديد من الهدن بين النظام والمعارضة المسلحة، غير أن الهدنة الحالية التي بدأ سريان تنفيذها فجر السبت برعاية أممية تمتاز بعدة خصائص، سواء من حيث الحراك السياسي الذي سبقها وأفضى إليها، أو نطاق تطبيقها، أو الأطراف المعنية بها، أو سياقها السياسي.

لقد كانت الأهداف من وراء الاتفاق على الهدن السابقة بالدرجة الأساسية محدودة من حيث الأطراف المبرمة بينها، والنطاق الجغرافي المشمول بها، وكذا الرهانات السياسية المرتبطة بها، وهو أمر لا ينطبق على هدنة الأسبوعين الحالية، التي جاءت بعد حراك دبلوماسي مكثف بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف، ولعل هذا من مظاهر اختلاف هذه الهدنة.

ففي الهدنات المبرمة سابقا، سواء في العام 2012 (هدنتان) أو 2014 (هدنتان) أو 2015 (ثلاث هدن)، كان التنصيص على جملة بنود يلتزم بها طرفا المعادلة، ومن أبرزها إخراج المسلحين من مناطق محددة مقابل انسحاب القوات النظامية أو فك حصارها، وأيضا السماح بخروج المدنيين لتجنيبهم ويلات المعارك وإخراج الجرحى وتبادلهم، فضلا عن إدخال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة.

video

الرهان السياسي
غير أن الهدنة الحالية ترمي إلى تحقيق غاية أكبر وهي تمهيد الطريق وإتاحة الشروط المناسبة لإنقاذ مفاوضات السلام في جنيف بين النظام السوري والمعارضة للتوصل إلى انتقال سياسي يضع حدا للأزمة، وينص البيان المشترك بين واشنطن وموسكو حول اتفاق الهدنة في سوريا على أن تبنيهما لشروط الهدنة جاء من أجل "تحقيق تسوية سلمية للأزمة السورية، مع الاحترام الكامل للدور الأساسي الذي تضطلع به منظمة الأمم المتحدة".

وتأتي هذه الهدنة بعد أسابيع من تعثر أولى جولات مفاوضات السلام في جنيف برعاية مبعوث الأمم المتحدة لسوريا ستفان دي ميستورا، الذي أعلن في الثالث من فبراير/شباط الجاري تعليق محادثات جنيف بين المعارضة والنظام لمدة ثلاثة أسابيع بسبب اتساع الهوة في المواقف بين النظام والمعارضة وتصعيد الموقف العسكري على الأرض.

وعقب التوصل لاتفاق الهدنة الحالي، قال المبعوث الأممي إنه بالإمكان أن يساهم الاتفاق في استئناف العملية السياسية المطلوبة لإنهاء هذا الصراع، علما أن دي ميستورا كان حدد تاريخ الخامس والعشرين من الشهر الجاري موعدا لاستئناف مفاوضات جنيف3، ولكن عدم انتهاء التحركات الدبلوماسية المرتبطة بإقرار الهدنة، والظروف الميدانية للحرب، جعلا هذا الموعد غير واقعي، مما دعا لتعديله ليكون في السابع من مارس/آذار القادم.

وقد قال دي ميستورا عقب انهيار الجولة الأولى للمباحثات إن هناك الكثير من العمل ينتظر الأمم المتحدة والأطراف المعنية بالصراع السوري، ومن بين جوانب العمل التي قصدها المبعوث تهيئة المناخ لإجراء مفاوضات مثمرة، ومنها وقف القصف وقتل المدنيين، لكي يتفاوض طرفا الصراع في جو هادئ.

المعارضة السورية اتهمت قوات النظام بخرق الهدنة في الساعات الأولى من سريانها (الجزيرة)

النطاق الجغرافي
ومن مميزات هذه الهدنة أنها تشمل جميع التراب السوري الذي أصبحت السيطرة فيه موزعة بين النظام والمعارضة المسلحة وتنظيم الدولة الإسلامية والقوات الكردية وغيرها، في حين كانت أغلب الهدنات السابقة محددة في نطاق تطبيقها مثل هدنة حي برزة بالعاصمة دمشق في يناير/كانون الثاني 2014، وهدنة حي القابون بالعاصمة أيضا في سبتمبر/أيلول 2014، واتفاق الهدنة في بلدات الفوعة وكفريا بريف إدلب والزبداني بريف دمشق في آخر العام 2015.

وتنص الهدنة الحالية على أن وقف الأعمال العدائية يكون في جميع مناطق سوريا باستثناء تلك الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة وجبهة النصرة، أو "أي منظمات إرهابية أخرى يحددها مجلس الأمن الدولي" وفق منطوق البيان الأميركي الروسي.

ومن المتغيرات أيضا في الهدنة الحالية أن الأطراف المعنية بها أوسع من الهدن السابقة، والتي كانت تخص فصائل من المعارضة المسلحة ونظام الرئيس بشار الأسد، في حين أن الهدنة الحالية تشمل مختلف فصائل المعارضة المسلحة الموصوفة بالمعتدلة، وتشمل أيضا لاعبا جديدا مهما في الحرب السوري وهو الجيش الروسي، الذي استطاع مساعدة الجيش النظامي في تحقيق تقدم إستراتيجي في أرياف إدلب واللاذقية ودرعا وتشديد الخناق على المعارضة.

الطرف الروسي
ويلزم الاتفاق -المدعوم بقرار من مجلس الأمن- القوات الجوية الروسية إلى جانب النظام السوري وحلفائه بوقف قصف مجموعات المعارضة المسلحة، ويأتي هذا التنصيص على مسؤولية موسكو في وقف إطلاق النار ليس كوسيط ولكن كطرف أيضا بعدما أعلنت روسيا أنها غير معنية باتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليها المعارضة السورية مع النظام في ديسمبر/كانون الأول 2015، واستمرت في قصف المعارضة والمدنيين.

وقد أثار هذا الموقف الروسي تساؤلات عن نوايا الروس بشأن التعاطي مع الاتفاقات الدولية الخاصة بسوريا، وحقيقة موقف موسكو من المساعي الرامية للتوصل إلى تسوية سلمية للأزمة الطاحنة.

المصدر : الجزيرة