بين خلافات القادة الدينيين في روسيا، وغياب التنسيق مع الإدارات الدينية المختلفة، وانعدام المصداقية، ومحاولات السلطات الرسمية الإبقاء على تعدد الجهات الممثلة للمسلمين، بين كل ذلك تضيع جهود توحيد الإدارات الدينية في روسيا.

افتكار مانع-موسكو

كشف تعثر الجهود الرامية لتوحيد الإدارات الدينية لمسلمي روسيا عن الكثير من أوجه القصور لأسباب ذاتية وخارجية، وذلك بعد أن ألغت الهيئة الرئاسية للإدارة المركزية لمسلمي روسيا قرارها بتوحيد الإدارات الإقليمية لمسلمي روسيا.

وكان المفتي الأكبر لروسيا طلعت تاج الدين قد أعلن في ديسمبر/كانون الأول الماضي عن اتفاق الإدارات الدينية لمسلمي روسيا على تشكيل منظمة موحدة، وإنهاء حالة الانقسام التنظيمي المستمرة منذ تفكك الاتحاد السوفياتي.

وأكد تاج الدين الذي كان يترأس الإدارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا آنذاك، أنه توصل إلى اتفاق مبدئي بهذا الشأن مع رئيس مجلس المفتين بروسيا راوي عين الدين (رئيس الإدارة الدينية لمسلمي الشطر الأوروبي من روسيا) على دمج كافة الإدارات الدينية الرئيسية.

وأشار إلى أن أبواب المنظمة الجديدة ستكون مفتوحة لانضمام الإدارات الدينية في القوقاز إليها في وقت لاحق، مع تأكيده على أهمية توحيد صفوف المسلمين في مواجهة خطر الإرهاب والتطرف ومواجهة تأجيج الفتن الدينية والطائفية.

إرث قديم

سلطانوف: كافة الإدارات الدينية منشغلة عن هموم مسلمي روسيا (الجزيرة نت)
وتضم روسيا ثلاث منظمات رئيسية لإدارة شؤون المسلمين، وهي الإدارة المركزية لمسلمي روسيا، والإدارة الدينية لمسلمي الشطر الأوروبي من روسيا، والمركز التنسيقي لمسلمي شمال القوقاز. ويتبع لكل واحدة منها إدارات دينية محلية.

وتشير التقديرات إلى أن تعداد المسلمين في روسيا يبلغ نحو 25 مليون مسلم، يتركز غالبيتهم في المدن الكبرى مثل موسكو وبطرسبرغ ونيجني نوفغورود، بالإضافة إلى جمهورية تتارستان وجمهوريات القوقاز. كما يعد الإسلام الديانة الثانية في روسيا بعد المسيحية الأرثوذكسية.

ويوجد في روسيا ما يقرب من أربعين إدارة دينية للمسلمين، أقواها نفوذا مجلس المفتين تليه الإدارة المركزية لمسلمي روسيا، وبشكل عام تلتزم هذه الإدارات بالخط السياسي الرسمي، في حين تقوم الدولة بالإشراف عليها ورسم توجهاتها.

وقد أنشئت الإدارة المركزية لمسلمي روسيا بقرار من الإمبراطورة يكتيرينا الثانية قبل أكثر من مئتي عام لوضع الإسلام تحت إشراف الدولة، لكنها منحت المسلمين حق إدارة مساجدهم وشؤونهم المدنية.

طموحات شخصية
من جانبه، قال المفكر الإسلامي المستقل شاميل سلطانوف إن كافة الإدارات الدينية لمسلمي روسيا منشغلة عن هموم مسلمي روسيا، وهي تتمتع بامتيازات مادية ومكانة معنوية تناضل للاحتفاظ بها، ولهذا فهي تتسابق فيما بينها لتنفيذ سياسات الكرملين، مشيرا إلى أن وضعها الحالي مريح جدا للسلطات، وبالتالي فهي غير معنية بتوحيدها، لكي يتسنى التعامل مع كل واحدة منها على حدة.

وأوضح سلطانوف للجزيرة نت أن المحاولة الوحيدة الجادة لتوحيد الإفتاء -رغم أنها لم تكن بدافع الإصلاح- هي تلك التي قام بها قبل نحو أربع سنوات الرئيس الشيشاني رمضان قديروف لأغراض سياسية، حينها أراد فرض مفتي الشيشان -وهو شخص غير معروف بعلمه- مفتيا لعموم روسيا، لكن إدارة الرئيس الروسي رفضت هذا الطرح.

بلا مصداقية
عباسوف: خلافات القادة الدينيين عائق أمام توحيد الإدارات (مجلس الإفتاء الروسي)
من جهة أخرى، قال نائب رئيس مجلس الإفتاء الروسي الشيخ روشان عباسوف إن توحيد الإدارات الدينية لمسلمي روسيا تحركٌ في الاتجاه الصحيح من الناحية النظرية، لأن ذلك من شأنه توحيد المسلمين ضمن كيان تنظيمي موحد وخلف قيادة موحدة، وهذا بدوره سوف يقوي موقفهم أمام القيادة السياسية للبلاد.

وكشف عباسوف عن أسباب عديدة تعيق هذه الجهود، وفي مقدمتها أن القادة الدينيين والنخبة الدينية المسلمة الروسية غير موحدة، وهناك خلافات بينها.

وأضاف أن جهود توحيد الإدارات الدينية ينقصها المصداقية، وما شاع مؤخرا حول النشاط المتزايد في هذا الاتجاه رافقه الكثير من اللغط والأنباء المغلوطة، ذلك أن إعلان طلعت تاج الدين في ديسمبر/كانون الأول الماضي عن توحيد الإدارات الدينية الثلاث لا أساس له ولم يجر التنسيق بشأنه مع الإدارات الأخرى، وإنما هو تصرف أحادي تحركه دوافع شخصية.

وأوضح أن زعيم الإدارة الروحية المركزية طلعت تاج الدين أجرى تعديلات وظيفية تضمنت قرارات بالعزل والتعيين دون الرجوع لأحد في مجلس الإفتاء الروسي ودار الإفتاء في تتارستان أو حتى عرضه على اجتماع إدارته الداخلية، في مخالفة واضحة للنظام الأساسي للإدارات الدينية، لكن الرفض المتزايد لهذه القرارات وعدم الانصياع لها من جانب ممثلي الإدارات الأخرى حمله على التراجع عنها.

المصدر : الجزيرة