في مدينة قابس التونسية فتحت بيوت عزاء بقتلى قضوا في الغارة الأميركية على موقع لتنظيم الدولة الإسلامية في صبراتة الليبية قبل بضعة أيام، وتوقع والد أحد القتلى في تصريح للجزيرة نت "الأسوأ" ما دامت السلطات التونسية عاجزة عن تحقيق التنمية.

خميس بن بريك-تونس

نزل خبر مقتل عشرات التونسيين في الغارة الأميركية الأخيرة على صبراتة كالصاعقة على بعض العائلات التونسية التي تم إبلاغها من أطراف مجهولة في ليبيا بأن بعضا من أفرادها كانوا ضمن القتلى.

ورغم أن السلطات التونسية -التي فتحت تحقيقا بشأن القتلى والجرحى الذين استهدفتهم الغارة الأميركية- لم تتصل بها بعد لإبلاغها بالأمر فإن بعض العائلات خرجت عن صمتها وبدأت باستقبال التعازي.

أمام واجهة منزله القديم -الذي بدت عليه آثار الترميم- أقام الشيخ التسعيني فتحي الجحيدري مجلس عزاء حضره بعض أفراد عائلته وجيرانه بعد إبلاغه بمقتل ابنيه الشابين فهمي ونضال (34 و23 عاما على التوالي).

يقول فتحي -الذي بدا وجهه شاحبا- إنه تلقى اتصالات بأرقام ليبية مختلفة من مجهولين أكدوا مقتل ولديه في الغارة على مقر لتنظيم الدولة الإسلامية بصبراتة يوم الجمعة الماضي.

ومعلوم أن الغارة شنتها مقاتلتان أميركيتان فجرا على مبنى في منطقة قصر العلالقة قرب صبراتة مما أدى إلى مقتل 49 شخصا -أغلبيتهم تونسيون- حسب رئيس بلدية المدينة حسن الذواي. وقال البنتاغون إن الغارة "جنبت تونس هجوما إرهابيا".

بسرعة وتحت وطأة الفاجعة ذهب هذا الشيخ أمس الثلاثاء للتأكد من الخبر لدى مديرية الأمن بمحافظة قابس، لكن المسؤولين هناك نفوا علمهم بمقتل ابنيه وطلبوا منه التريث لحين التأكد من هويات القتلى.

عزاء أمام منزل فتحي الجحيدري والد الشابين فهمي ونضال (الجزيرة)

لكن قلبه الذي انفطر حزنا على فقدان ولديه اللذين هاجرا من البلاد للالتحاق بتنظيمات جهادية دفعه لاستقبال العزاء أمام منزله المتواضع الواقع في منطقة بوشمة النائية بمحافظة قابس.

بلاغ الوالد
يطالب فتحي الجحيدري -الذي كان قد أبلغ قبل أشهر السلطات التونسية بمغادرة ابنيه إلى ليبيا للالتحاق بجماعات مسلحة- بالعمل جديا على جلب جثث ابنيه لدفنهما في مقبرة القرية.

وبشأن معرفته إن كان ابناه قد التحقا بتنظيم الدولة أو أنصار الشريعة يقول للجزيرة نت إنهما اختفيا فجأة منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع مجموعة أخرى من شبان القرية لكنه كان يجهل مكانهما في ليبيا.

وذكر عدد من أهالي قريته أن ابنيه فهمي ونضال كانت قد برزت عليهما مظاهر التدين منذ أواخر سنة 2014، مرجحين استقطابهم من جماعات متشددة كانت ترتاد مساجد القرية.

هذا الوضع يتكرر مع عائلة علي المسعودي الذي يقيم في منطقة غير بعيدة، فقد قرر بدوره بعد تردد إقامة مجلس عزاء أمام منزله عقب سماعه بخبر مقتل ابنه عبد السميع في القصف الأميركي بطائرة أف 15 على منزل بصبراتة.

وكان علي قد حاول تمالك نفسه عند سماع الخبر من مكالمات مختلفة ومتطابقة قادمة من التراب الليبي من أطراف مجهولة تؤكد مقتل ابنه، وأبدى شكوكه في تلك الروايات، لكنه استسلم في النهاية لحزنه ووجع قلبه.

وقد رفض والد عبد السميع في البداية تقبل العزاء إلا بعد التأكد رسميا من مقتل ابنه من مصادر رسمية تونسية أو ليبية وتسلم الجثة التي تمسك بجلبها من ليبيا لإخضاعها لاختبارات علمية تحدد الهوية.

 فتحي الجحيدري والد الشابين فهمي ونضال (الجزيرة)

وجوم
لكن ذلك لم يمنع المعزين من الحضور والتجمع أمام منزل المسعودي للاستفسار عن حقيقة الخبر الذي انتشر بسرعة البرق بين جيرانه، كانوا جميعا مطأطئي الرؤوس وواجمين في مشهد يدل على الواقع الأليم الذي تعيشه عائلات تونسية فقدت أبناءها في ذلك القصف.

أمام أنظار المعزين الذاهلين تساءل علي باستغراب عن سبب تباطؤ السلطات الأمنية في إبلاغه بخبر ابنه (24 عاما) الذي انقطع عن الدراسة وبقي عاطلا إلى حين قرر تجاوز الحدود البرية إلى ليبيا بطريقة غير قانونية.

ورغم أنه ابنه -كما يقول- لم تظهر عليه علامات التشدد أو التزمت كان هذا الرجل يخشى على ولده عبد السميع من خطر استقطابه من جماعات متشددة ذهب ضحيتها الكثير من الشباب التونسيين، على حد تعبيره.

يقول علي المسعودي للجزيرة نت "طالما لم تقم السلطات التونسية بتفكيك الشبكات العنكبوتية لتسفير الشباب التونسيين لبؤر التوتر وخلق فرص التوظيف والتنمية سيبقى القادم أسوأ".

المصدر : الجزيرة