سيطرت الوحدات الكردية على مساحات واسعة من أرياف الحسكة والرقة وحلب تتجاوز 15% من مساحة سوريا، وتضم مناطق مختلطة عرقيا، وباتت معها ملامح كيان كردي تظهر شيئا فشيئا، تحت اسم "الإدارة الذاتية الديمقراطية".

رأفت الرفاعي-غازي عنتاب

شكل دخول التحالف الدولي إلى جانب الوحدات الكردية خلال معارك عين العرب (كوباني) في أكتوبر/تشرين الأول 2014، لحظة مفصلية في تاريخ أكراد سوريا الحديث، حيث كان سكان المدينة يرقبون منازلهم تُدمّرها طائرات التحالف الدولي، لكن آمالهم في كيان مستقل في المقابل كانت تُبنى، وأحلامهم القومية كانت تنتعش، في ظل تبدل في توازنات إقليمية ودولية جاءت بالأكراد وأحزابهم إلى صدارة المشهد السوري، ميدانيا وسياسيا، لشهور لاحقة.

حظي المقاتلون الأكراد بدعم كامل من التحالف الدولي، لتغدو وحدات حماية الشعب الكردية الحليف الوحيد على الأرض للتحالف. وسيطرت الوحدات الكردية على مساحات واسعة من أرياف الحسكة والرقة وحلب، تتجاوز 15% من مساحة سوريا، وتضم مناطق مختلطة عرقيا، فباتت معها ملامح الكيان الكردي تظهر شيئا فشيئا، تحت اسم "الإدارة الذاتية الديمقراطية".

مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية في منطقة سيطرت عليها بريف حلب الشمالي (الجزيرة)

نهاية المركزية
تعتبر حركة المجتمع الديمقراطي الكردي -وهي ائتلاف أحزاب كردية أبرزها الاتحاد الديمقراطي، النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني التركي- المرجعية السياسية للإدارات الذاتية المعلنة في ثلاث مناطق سورية، وأيضا لقوات حماية الشعب الكردية، ومعها قوات الشرطة والأمن الداخلي (الأساييش).

ولطالما تجنبت حركة المجتمع الديمقراطي الإشارة الصريحة للفدرالية، إلا أن العضو البارز فيها آلدار خليل كان قد صرح هذا الشهر بعزمهم الإعلان عن الفدرالية في المناطق الخاضعة لسيطرة الوحدات الكردية.

وقال خليل عضو الحركة -في تصريح للجزيرة- إن "أفضل نموذج يمكن اعتماده في سوريا، هو النظام الاتحادي الذي يمنح لكل منطقة خصوصية جغرافية، وذلك بامتلاكها إدارات خاصة كنموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية، تفاديا لحدوث أي تقسيم في البلاد"، مضيفا أنه لا بد من وجود آلية لتوطيد روابط التّواصل بين تلك الإدارات من خلال نظام اتحادي وفق دستور سوريا ونمطها الإداري.

وأشار إلى ضرورة امتلاك السوريين مشروعا مستقبليا للبلاد يمكن تطبيقه على الأرض ويضمن حقوق كافة أطياف المجتمع، مشددا على ضرورة عدم تكرار النموذج المركزي السابق الذي كان يعتمده نظام الأسد في إدارة البلاد، والذي نتج عنه خلق دكتاتوريات ونظام مُستبد.

إبراهيم برو: الدولة الفدرالية هي التي تجعل الجميع يرى مكانه المناسب (الجزيرة)

بديل عن التقسيم
وتنقسم الأحزاب السياسية الكردية في سوريا -وعددها نحو ثلاثين حزبا- وفق مرجعيتين اثنتين، الأولى تتمثل في المجلس الوطني الكردي وأبرز أحزابه "اليكيتي"، وهو أحد مكونات الائتلاف السوري المعارض والمقرب من إقليم كردستان العراق.

وبات المجلس الوطني الكردي يمثل الآن المعارضة السياسية الكردية لسلطة الأمر الواقع التي تقودها حركة المجتمع الديمقراطي شمالي سوريا.

ويقول رئيس المجلس الوطني الكردي إبراهيم برو -في تصريح خاص للجزيرة- إن "المجلس طالب منذ البداية بالفدرالية"، مشيرا إلى أنه قدم طلبا رسميا للمبعوث الأممي ستفان دي مستورا منذ ثمانية أشهر، وأكد أن الدولة الفدرالية هي التي تجعل الجميع يرى مكانه المناسب، والفدرالية الحقيقية هي ضمانة بقاء سوريا موحدة".

وحول الخلاف بين التكتلين الرئيسيين الكرديين، أوضح برو أنه تم الاتفاق مع حركة المجتمع الديمقراطي ثلاث مرات على الفدرالية، "لكن هم من كان يبتعد عنها في كل مرة، ونراهم اليوم يترددون في طرح الفدرالية، ونحن لا نعرف إلى أي درجة سيخدم ذلك القومية الكردية".

الجيش التركي قصف مواقع سيطرت عليها وحدات حماية الشعب الكردية في حلب (الجزيرة)
تركيا والفدرالية بسوريا
وبالنظر إلى تنازع الأحزاب الكردية مرجعية كردية في العراق وأخرى في تركيا، فإن واقعية إعلان الفدرالية في سوريا مرتبطة بمواقف كلٍّ من إقليم كردستان العراق وتركيا التي ترفض رفضا قاطعا -وفق تصريحات رسمية- إقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية.

ويؤكد الباحث والكاتب التركي المتخصص بالشؤون الكردية عبد الوهاب آكنجي، في تصريح للجزيرة نت، أن الفدرالية ليست هي المشكلة، فهي بالنهاية شكل من أشكال الإدارة، لكن المشكلة -بحسبه- تكمن في ما بعد الفدرالية.

وأشار إلى أن قيام كيان كردي فدرالي في سوريا يعد خطوة لضرب العمق التركي لاحقا وتفتيته، كما يحصل الآن في كل من سوريا والعراق، وهو ما يعني أن تركيا ستواجه هذا المشروع بالأساليب الدبلوماسية وغير الدبلوماسية، وأنها مستعدة للقتال من أجل وحدتها.

وشدد آكنجي على أن حصول الأكراد على حقوقهم كاملة هو أمر طبيعي يعالج ضمن الحقوق الطبيعية للشعوب في كل دولة، لكن على أن لا تكون دافعا لتمزيق الدول وإثارة الفوضى فيها بحسبه.

وبالنسبة لآكنجي، فإن استثمار ما سماها مَقتلة الشعب السوري المذبوح لبحث ملفات أخرى هو خطأ، وأهم حق يجب بحثه اليوم هو حق السوريين في الحياة، وهو ما لم يتحقق لهم حتى الآن، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة